من بين مجموع الدول الأوروبية تمثل فرنسا نموذجا صارخا على التوتر المكتوم الذي يسود علاقات الإسلام والغرب. ومرد الخصوصية التي نشير إليها عاملان هما تنامي الوجود الإسلامي في فرنسا بشكل كبير.

حيث يصل في بعض التقديرات إلى خمسة ملايين مسلم ما يجعل منهم أكبر جالية مسلمة في دولة أوروبية، وسط مخاوف شديدة من استمرار هذه الزيادة بشكل يؤثر على طبيعة وهوية الدولة الفرنسية. هذا فضلا عن التشدد الفرنسي في تطبيق العلمانية الأمر الذي يعزز من الاحتكاك.

ولعل آخر مظاهر هذا الاحتكاك التوتر القائم حاليا على خلفية مقال كتبه أستاذ للفلسفة في صحيفة «الفيجارو» أساء فيه إلى الإسلام ما أدى إلى توجيه تهديد له عبر الإنترنت بالقتل، وهو ما دعا رئيس الوزراء دومينيك دي فيلبان إلى التدخل لجهة التأكيد على ضرورة اتخاذ وقفة حازمة تجاه تهديد حرية التعبير في فرنسا.

بعيدا عن هذه القضية وغيرها وهي كثيرة فإن قضية ارتداء الحجاب مثلت علامة فارقة على طريق اصطدام فرنسا مع الإسلام الأمر الذي أثار ضجة كبيرة ما زالت تلقي بتبعاتها حاليا على الوجود المسلم في فرنسا. لعله مما يمثل ملخص الموقف الفرنسي لهذه القضية تلك الصورة التي نشرتها مجلة فرنسية لفتاة فرنسية ترتدي الحجاب معلقة - المجلة - بالقول أن هذا هو الوجه القادم لفرنسا.

وفي معرض الحديث عن هذه القضية نؤكد على أنها تعكس بحق طبيعة الإدراك التي تحكم علاقة كل من طرفي العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب.

وبغض النظر عن المماحكات الفرنسية والتفسيرات التي بدت واهية بشأن سن قانون يحظر ارتداء أي شيء يرمز إلى هوية دينية في المدارس، فإن القانون إنما تم سنه أصلا من أجل مواجهة انتشار الحجاب والذي تنامى بشكل كبير ليشكل ظاهرة رأى الكثيرون هناك، في ضوء ما أشرنا إليه بشأن الفهم العلماني المتشدد في فرنسا أنه يعبر عن غزو إسلامي لفرنسا.

ليس الأمر هنا مجال أخذ ورد بشأن حق فرنسا في سن هذا القانون من عدمه، وإنما هي محاولة لتفسير قضية الحجاب في إطار القضية الكلية التي نعرض لها والخاصة بالعلاقات بين الإسلام والغرب، وما نطرحه هنا أن الموقف الرسمي من قضية الحجاب إنما عكس خوفا من الإسلام الذي اعتبر أن الحجاب يعكس هويته، وهو قائم حتى فيما قبل إثارة مسألة الحجاب.

ويعود حسبما يذهب البعض إلى عقد الستينات من القرن الفائت في ضوء العلاقة الخاصة التي كانت تربط فرنسا بدول المغرب العربي وانعكس في سيولة الهجرة إليها وبالتالي زيادة أعداد المسلمين هناك.

لقد تعدى الجدل حول الحجاب حيز الموضوع ليصل إلى ساحة الصراع بين الإسلام والغرب والعداء العنصري ضد العرب والمسلمين، وهو في حالتنا هذه يعكس رؤية صحيحة الأمر الذي يمكن تلمسه من خلال متابعة دقيقة لتطورات قضية الحجاب.

ففضلا عن تشويه مفهوم الحجاب ذاته باعتباره رمزا للظلامية والتقهقر الديني وغير ذلك من توصيفات تصل بالحجاب إلى مرتبة كونه رذيلة في منظور الحياة المعاصرة، فقد كان الاتجاه العام هو اعتباره بداية لمعركة يطالب فيها من تم توصيفهم بالإسلاميين المتطرفين بحقوق أخرى، ومن هنا جرى اعتبار المسعى لتحجيم قضية الحجاب من خلال فرض عدم ارتدائه في المدارس بمثابة مساهمة في المعركة العالمية ضد التزمت، حسب توصيف البعض.

لقد جاء القانون في محاولة لصهر الجميع ليصبحوا مواطنين فرنسيين وتجنب تعددية المجتمع بتجاهل الفرق بين المجتمع والنظام السياسي والدولة، وهو ما اعتبره البعض نوعا من عولمة من نوع جديد تقوم على فرض الاستيعاب أو الاندماج بالقوة، الأمر الذي يبدو أنه حتى الآن يصادف فشلا ليس على مستوى فرنسا ككل وإنما على مستوى أوروبا ككل، وتلك هي القضية التي تشغل بال قطاع كبير من ساسة ومفكري أوروبا في الوقت الراهن.

مصطفى عبد الرازق