إن الدعوة إلى الله تعالى هي أجل الأعمال وأشرفها وأفضل الوظائف وأكملها..قال تعالى: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين).. هي وظيفة الأنبياء والرسل حيث يقول عز وجل: (وما نرسل الرسل إلا مبشرين ومنذرين)..

وبالرجوع إلى جذور التاريخ نجد أن أنبياء الله ورسله قد وهبوا أنفسهم للدعوة وباعوا كل غال ورخيص في سبيلها، وتركوا الأهل والأوطان من أجلها، ابتغاء وجه ربهم، ومن ثم فقد أدى رسل الله جميعًا الأمانة وبلغوا الرسالة بهمة وإخلاص. ومن هنا لاقت دعوتهم نجاحًا وحققت فلاحًا وتركت أثرًا طيبًا عاد خيره على الداني والقاصي..

وفي إطار الوقوف على الرسالة التي يقتضي الداعية السعي وراء بلوغها يأتي كتاب (رسالة إلى الدعاة.. كيف تصبح داعية) للمؤلف الشيخ شوقي عبد اللطيف.وكيل وزارة الأوقاف المصرية لشؤون الدعوة.. جاء كتاب رسالة إلى الدعاة..

كيف تصبح داعية في مئتي صفحة من القطع المتوسط، قسم المؤلف موضوع الكتاب الرئيسي إلى ثمانية فصول سبقها مقدمة مهد فيها المؤلف الشيخ شوقي عبد اللطيف لموضوع كتابه، موضحًا أن سيد الدعاة - صلى الله عليه وسلم - قد وجد من الصعوبات والأشواك في طريق دعوته وتبليغ رسالته ما تنأى عن حمله الجبال، ومع ذلك فقد واصل مسيرته وبلغ رسالة ربه؛

فأثمرت دعوته وأتت أكلها كل حين بإذن ربها، وارتفعت راية الإسلام عالية خفاقة فوق ربوع أرض الله، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء في تبليغ الدعوة وتوصيل الرسالة دون زيادة أو نقصان، ومن العجيب أن نرى في هذا الزمان دعوة ولم نجد أثرًا مما جعلنا نسأل أنفسنا عن سر ذلك!

ويؤكد الشيخ شوقي في مقدمة كتابه أن الداعية الناجح هو ما كانت دعوته مجردة يريد بها نقل أمة من مستنقع آسن خافق إلى محيط عذب فسيح سهل يروي ماؤه النفوس العطشى ويحيي القلوب الموتى، مصداقًا لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم وأعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون).

دور المسجد وفي الفصل الأول يتناول المؤلف دور المسجد في الحياة حيث يشير إلى أن المسجد له دور عظيم منذ بدء الإسلام، ولولاه لانحسر الإسلام في مرحلة من الزمن لا تتجاوز عصر الخلافة الراشدة وعصر التابعين لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإحسان.

ولما وصل إلى الأجيال التالية من الإسلام شيء يصون عقيدتها من الزيغ والانحراف وسلوكها من الضلال والانتكاس، موضحًا أن مهمة المسجد يمكن إيجازها في إيقاظ مشاعر المسلمين لتبقى حية، وطرح المشكلات التي يعاني منها أهل الحي وطرق الحل، والالتزام بالقيم الإسلامية والتربية عليها.

ومن مهام المسجد، على حسب الشيخ شوقي عبد اللطيف.. مؤلف الكتاب، فضح القيمة الدخيلة على مجتمعنا الإسلامي، ورفع الإيجابية عند الجماهير وتوسيع دائرة الإصلاح، والاهتمام بقضايا الأمة، وتوضيح موقف الإسلام من القضايا والأحداث الجارية، توظيف المناسبات الدينية لاصلاح الحاضر وتشكيل المستقبل.

. ولتحقيق هذه الأهداف لابد من الاهتمام والعناية بخطيب المسجد من خلال توفير ما يحتاج إليه من زاد ثقافي وغيره. قضية الدعوة ويواصل الشيخ شوقي عبد اللطيف حديثه في هذا الفصل عن الدعوة إلى الله قائلاً:

إن من أوجب الواجبات على كل مسلم أن يدل أهله على الله وأن يعينهم على طاعته وأن يبذل قصارى جهده، ليحول بينهم وبين معصية الله، فهم مسؤولون منه وهو مسؤول عنهم أمام الله عز وجل، نظرًا لأنها تنقذ الناس من حول الضياع والتيه والشرور والضلال الناجم عن اتخاذ ما يعرف بالأديان الوضعية والأهواء البشرية، ومن ثم فالدعوة إلى شريعة الله دعوة إلى منهج الله الذي رسمه لعباده وبين أن من اتبعه سعد ونجا ومن حاد عنه هلك وشقي..

وهو واجب الدعاة إلى الله عز وجل فهم المنوط بهم إظهار محاسن الشريعة وإبراز فضل شرع الخالق على المخلوق وكمال منهج المعصوم على غيره. ولإرشاد الدعاة إلى المصادر التي يجب عليهم أن يستقوا منها معارفهم، ناقش المؤلف في الفصل الثالث من الكتاب هذه المصادر التي أجملها في القرآن الكريم والسنة المطهرة والسيرة النبوية وسير الرجال، وواقع الحياة الزاخر بالمشكلات والقضايا، ومختلف الآراء والمذاهب الفقهية، ومسائل العقيدة الإسلامية، واللغة العربية وآدابها.

مقومات الداعية وينتقل الشيخ شوقي عبد اللطيف إلى فصل الكتاب التالي في محاولة جادة للوقوف على مقومات الداعية الإسلامي، الذي يراه في مؤلفه شخصًا ذا ثقافة عالية، وصاحب رسالة سامية، مؤمن بفكرة يدعو إليها بالكتابة والخطابة والحديث العادي والعمل الجاد في سيرته الخاصة والعامة.

وبكل ما يستطيع من وسائل الدعاية في تجرد وإخلاص فهو قدوة قبل أن يكون كاتبًا أو خطيبا أو محدثًا يؤثر في الناس بعمله وشخصه، وهو بمثابة طبيب اجتماعي يعالج أمراض النفوس ويصلح أوضاع المجتمع الفاسدة، وهو ناقد بصير يقف حياته على الإصلاح إلى ما شاء الله، وهو رفيق وصديق وأخ للغني والفقير وعون للكبير والصغير، تتدفق الرحمة من عينيه.

وتجري المواساة على لسانه ويديه، والداعية قائد محنك وسياسي بارع في بيئته وزعيم لفكرته، وقبل هذا أو ذاك هو عبد رباني ذو صلة قوية بربه. ويرى مؤلف الكتاب أن صفات الداعية في الإسلام تتمثل في ضرورة أن يكون نموذجًا لما يدعو إليه مطبقًا له في سلوكه وخلفه ومعاملاته.

وأن يهتم بمظهره الإسلامي العام فلا يبدو مخالفًا في فريضة أو مجانبًا لسنة أو بعيدًا عن عادة حسنة، وأن يتمسك بالإسلام عقيدة وشريعة ونظامًا، وأن يحترم عقول الناس وأوقاتهم، وكذلك يجب أن يكون الداعية لا يتكلم بما ليس فيه فائدة وأن يجنح إلى الأسلوب السهل والقول اللين والأمثلة الموضحة.

مشيرًا إلى أن الداعية لكي يكون ناجحًا يجب أن يعتمد على مقومات لا يحيد عنها أبدًا وهي الخوف من الله وحده، والقدوة الحسنة في كل أقواله وأعماله، والصدق، والصبر على الأذى.

وتجنب المراهنة في الحق والإفراط في المدح، والرحمة والشفقة، والرفعة والتيسير، والتواضع ونبذ الكبر، والزهد في الدنيا، وأخيرًا التعفف عن سؤال الناس. الأسلوب هو الطريق الموصل إلى الاستجابة من عدمها، فإذا ما اتسم الأسلوب باللطف واللين والمودة والعذوبة كان أولى للاستجابة وأوقع في نفس المدعو.

هكذا يوضح الشيخ شوقي في الفصل الخامس من الكتاب الأسلوب الذي على الداعية أن يتبعه، موضحًا أن الداعية لكي يكون ناجحًا في تبليغ الرسالة المكلف بها يجب عليه أن يكون شاملاً في تناوله، ويتسم في أسلوبه بالرفق والحلم، والمخاطبة على قدر الفهم، وضرورة التمهل بالكلام أثناء الحديث، والنهي عن التكلف في الفصاحة، وتخير الظرف المناسب، والبدء بالأهم فالمهم، والمشاركة.

وكذلك من الأمور التي يجب على الداعية أن يهتم بها في أسلوبه الدعوي أن يقبل على الناس جميعًا في دعوته، وأن يحرص على أجواء الوئام، فكم يسر الجلساء حين يرون معلمهم أو داعيتهم إلى الخير لا تفارق الابتسامة ثغرة ولا تجافي المباسطة مجلسه، وكم يشعر الجلساء والمتعلمون بالمحبة تجاه داعيتهم حين يرون فيه المعاملة اللينة والخلق العظيم. الخطبة .

ويأتي الفصل السادس من الكتاب ليخصصه المؤلف لتناول الخطبة كأسس وأركان ونموذج من الهدي النبوي - صلى الله عليه وسلم - في خطبه، فالخطبة تقوم على ثلاثة أركان يرتبط كل ركن منها بالآخر، ولا يستغني واحد عن غيره، وهذه الأركان من الضروري أن يعرفها ويدرسها كل من أراد أن يتعلم الخطابة وهي، الخطبة والخطيب والمستمعون، وفي ذلك يورد المؤلف قول ابن رشد:

وقد توجد أجناس الأشياء التي تنظر فيها الخطابة في الأمور الإدارية ثلاثة، كما يوجد عدد أصناف السامعين للقول الخطبي ثلاثة، وذلك أن الكلام مركب من ثلاثة، من قائل، وهو الخطيب، ومن مقولة فيه، وهو الذي يعمل فيه القول، ومن الذين يوجه إليهم القول، وهم السامعون، والعناية بالقول إنما هي متوجه نحو هؤلاء السامعين.

ويحدد الشيخ شوقي مراحل إعداد الخطبة بأنها اختيار الموضوع مستلهما إياه من الله تعالى، فلابد أن يراعي الخطب مقتضى حال المدعوين لإصلاح السامعين والموضوع هو ما روعي أن يكون في مستوى افهام السامعين ومما لا يجري فيه الاختلاف، وأن يكون حيويًا متصلاً بحياة الناس الدينية والدنيوية، ثم تأتي المرحلة الثانية وهي تحديد العناصر وتركيبها ويكون ذلك بعد القيام بتحديد موضوع الخطبة.

والمرحلة الثالثة في إعداد الخطبة تلك المرحلة التي فيها اختيار الأدلة وتنسيقها وذلك بعد أن يستقر الخطيب على موضوع معين لخطبته، وتكون مصادر أدلته القرآن الكريم والسنة المطهرة وكتب الفقه والثقافة الإسلامية عمومًا، وما دار حول ذلك من دراسات واجتهادات العلماء، ثم تأتي المرحلة الرابعة التي تتمثل في إعداد الخطبة بأسلوب التعبير البياني .

وهي المرحلة الأخيرة والمهمة للغاية، نظرًا لأن الخطيب الناجح هو الذي يهتم اهتمامًا خاصًا بإعداد موضوع الخطبة وتحضيره تحضيرًا جيدًا مراعيًا احترام عقول المستمعين ونفسياتهم وأعمارهم مع حسن الاستشهاد والتقسيم الجيد مقدرًا عظم الرسالة والأمانة التي يحملها ويبلغها.

الخطيب والمستمعون ويناقش الكاتب في فصله السابع الركن الثاني من أركان الخطابة وهو الخطيب، الذي يعد أهم الأركان وأعظمها لأن الخطيب هو صانع الخطبة، وموجهها إلى الناس من أجل التأثير والإقناع وحمل المستمعين على هدف يعرفه ويقصده.

والخطيب هو الذي يلون العالم بصورته الإنسانية الفنية المؤثرة، فنجاح التطبيق الخطابي يعتمد في المقام الأول على قدرة الخطيب الفنية وتمكنه من قواعد الخطابة، خاصة ان المظاهر العلمية في الحياة المعاصرة هي التي تجعلنا نؤمن بضرورة هذا الخطيب وسهولة تكوينه وإمداده بقواعد العلم وفن التطبيق ليساهم كعامل له دوره في البناء في صناعة الأجيال، فالأمة الإسلامية في العصر الحديث باتت في أشد الحاجة إلى الخطيب الداعية الذي يسخر جهده وماله ووقته وخبرته وموهبته لإصلاح المجتمع.ويعرض المؤلف في هذا الفصل الصفات الأخلاقية للخطيب.

ويأتي على رأسها الإخلاص واتباع القدوة الحسنة في القول والعمل، والعفة مما في أيدي الناس، والحلم، ومن بينها أيضا الشجاعة وقوة البيان وفصاحة اللسان وخبرة الخطيب وثقته بالله عز وجل، وكذلك من هذه الصفات الصبر على الأذى وإدراك ما يجري حوله.

ويجب أن يتوافر فيه أيضًا القدرة على النطق الحسن والتعبير البياني بالمعاني المعقولة والمفيدة، وقوة الملاحظة وحضور البديهة وطلاقة اللسان وباط الجأش وقوة العاطفة وقوة الشخصية، ومن صفاته الشخصية القدرة على الوقوف في مواجهة المستمعين، وحسن المظهر، والاعتدال والوقار وحسن الهندام.

أما الفصل الثاني فيأتي عنوانه (المستمعون) ويؤكد فيه المؤلف أن المستمعين هم جمهور الخطيب الذين يؤثر فيهم ويتأثر بهم ويسعى جهد طاقته لإصلاحهم وتقويمهم مراعيًا اختلاف الطبائع والنفسيات والعقول والثقافات وغيرها.

وأن المستمعين أنواع، وكي يسهل على الخطيب الناجح ملاحظة النوع الذي يخاطبه ويوجه إليه مواعظه وخطبه لتصل إلى قلب وعقل المدعو الخالي من الهوى والانحراف من الشبهات من أقرب الطرق فينجح الداعية، مشيرًا إلى أن الخطيب لكي يكون مؤثرًا في السامعين لابد له أن يكون كلامه نابعًا من قلبه، وأن يتضمن هذا الكلام العلم النافع المفيد.

وأن يقع على قلب خال من الهوي والانحراف.وينصح المؤلف في نهاية كتابه الخطيب بضرورة مراعاة أصناف السامعين، حيث منهم العلماء والمطيعون لله والأمراء والولاة وأصحاب الحرف والمهن، وأهل الفقر والمسكنة وأهل الضعف كالنساء والأطفال وغير المسلمين من الناس، ويجب على الخطيب أيضا أن يلاحظ الاتجاهات السائدة في المجتمع المحيط به، وأن يراعي المناسبات عند المستمعين.

القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية