لم ينس التاريخ تلك الروح السمحة التي تحلى بها الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، وصحابته ـ رضي الله عنهم ـ في قيادتهم وتعاملهم مع جنودهم وأسراهم في الحروب التي قادوها وانتصروا فيها، مسطرين في التاريخ صفحات مشرقة زاخرة بالأمجاد والانتصارات منذ صدر الإسلام وحتى يومنا هذا..
دروس وعظات وعبر مستفادة من تلك التجارب التي ارتكزت علي قوة الإيمان وصلابة المقاتل وحنكة القائد..والمتأمل في تاريخ هذه الغزوات خاصة تلك التي قادها رسول الله يدرك لأول وهلة أن عوامل النصر في حياة المسلمين تمثلت في العقيدة القوية والإيمان بوجوب الدفاع عن مقدسات المسلمين، إضافة إلى عناصر الصبر والثبات والتخطيط الجيد المحكم للمعارك تلك التي أدت في أغلب الأحيان إلى النصر المحقق.ونحن اليوم في حاجة إلى الاستفادة من تلك الدروس لدرء المخاطر التي من الممكن أن تهدد عالمنا الإسلامي وحول هذه الغزوات وما يمكن أن يستقي منها من دروس وعظات كان هذا التحقيق:
يقول المفكر الإسلامي د. محمد عمارة: إن غزوات الرسول تميزت بدقة المعلومات التي عرفت عن العدو وعن أرض المواجهة، كذلك التحضير العسكري والذي نطلق عليه التخطيط الاسراتيجي للحرب..
والذكاء الفطري الذي ساعد الجنود على الاشتباك والمواجهة.. مع الالتزام بالتوجيهات والتبسيط في قبولها دونما غطرسة أو غرور حتى المعارضة اتسمت بالدقة والترفع عن الصغائر مما جمع أعظم عناصر النصر لأي حرب وبما تجلت هذه المعاني واضحة في غزوة بدر والتي كانت منبعاً وإشعاعاً للغزوات، التي تلتها وأصبحت بمثابة استراتيجية اتبعها الرسول في غزواته بعد ذلك ومن بعده الخلفاء بشكل كبير.
فالرسول كان يعطي مثلاً عظيماً للقائد بخروجه علي رأس الجيش يقود المعركة بنفسه كصورة رائعة لالتحام القائد بقواته وشعبه مما يقرب المسافة بينهم وتجعل كل فرد محارباً، ولو لم يكن بجبهة القتال وهذا مثال كبير يمكن أن يحتذي به في عصرنا الآن في ظل التحديات التي تواجه الأمة العربية والإسلامية وتستوجب صيانة لقيادة وجيش وشعب متميز.
دروس مستفادة.
ويري د. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق أن غزوات الرسول أرست مجموعة من المبادئ والقواعد العسكرية التي تدرس للقادة العسكريين في كافة العصور، مثل مبدأ الشورى بين القائد وجنوده، حيث تبادل الرسول الرأي مع أصحابه قبل المعركة واستمع إليهم وأخذ بنصائحهم فكان المسلمون صفاً واحداً في المعركة خلف رسلولهم الكريم وكان النصر حليفهم.
ويشير د.هاشم أن من الدروس المستفادة من غزوات الرسول استطلاع قوة العدو وأساليبه فيها، فالحروب تهتم بذلك وتحرص القيادات العسكرية على معرفة قوة الخصم النفسية والعسكرية وموقع المعركة، وتطبيقاً لهذا خرج الرسول وأبوبكر في غزوة بدر يتعرفان على أخبار قريش، فعرفا عددهم من عدد الذبائح التي يأكلونها في كل يوم، فقد سألا بعض العرب الذين لا يعرفانهما كم يذبحون من الإبل في كل يوم لطعام الجيش.
وأكد د. هاشم الى ان العبرة بالكيف وليست بالكم، ففي هذه الغزوة العظيمة استطاعت الفئة القليلة المعدة إعداداً جيداً أن تنتصر على الفئة الكثيرة بإذن الله تعالى كذلك السلاح مهم جداً في المعركة وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ولكن السلاح المعنوي، وهو الإيمان أقوى في تحقيق النصر، ولذلك جاء لفظ الآية الكريمة بقوله (من قوة) أي بالشكل الذي يحقق النصر.
ويقول الشيخ منصور الرفاعي عبيد وكيل وزارة الأوقاف الأسبق: إن غزوات الرسول عبر ودروس واضحة المعالم للقادة والجيش بما تميزت به من تخطيط سليم، وثقة بالنفس واتباع لأوامر القائد..
ومن هنا كانت حاجة المسلمين للاعتبار والاتعاظ بها، فيما يمثله من ظروف مشابهة لما نحن عليه الآن، حيث نواجه عدواً صهيونياً خطراً يحاول خنق المسلمين والعرب والتضييق عليهم بشتى الطرق.
وأشار إلى أن جميع غزوات الرسول والخلفاء تتسم بعناصر النجاح الشديدة والدقيقة، وتجعل المسلمين في مواجهة مع أنفسهم دائماً: لماذا يخافون العدو؟ لماذا لا يواجهون الطغيان والاعتداء والاغتصاب لأراضيهم، وثرواتهم بكل ما لديهم من قوة بالإضافة للإيمان بقضيتهم وهو أهم عناصر النصر والقوة؟
وأضاف أن غزوات الرسول تعتبر أيضاً إشارة واضحة للمسلمين بالتحرك لنصرة المعذبين من إخوانهم المسلمين في شتي أنحاء العالم ويظهر ذلك قوله تعالى:
(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيراً) فالثقة بالنفس من أهم عناصر الانتصار بالإضافة إلى استخدام المقدرات البيئية كالثروات الطبيعية والتي يجب استغلالها لتستخدم كقوة تعزز مكانة المسلمين وتقوي شوكتهم.
تحديات العصر
ويحذر د. عبدالمقصود باشا أستاذ التاريخ والحضارة بجامعة الأزهر من وقوع المسلمين في فخ الكثرة العددية واعتبارها أهم مقومات النصر، إذا خلت من الثقافة والوعي والفكر الجيد، إن المسلمين على كثرة عددهم إلا أنهم يعيشون حالة من الضعف انعكست في تأخرهم الشديد، لما اتصفوا به من هزال وجهل تجاه التحديات التي تواجههم.. كذلك عدم مواكبتهم ركب الحضارة والاهتمام بهوامش الأمور.. وليس عمقها رغم أنهم أصحاب الحضارات الأولى والعقيدة التي تستمد منها جميع مناحي الحياة.
ويقول اللواء. حسام سويلم الخبير العسكري: إن الدروس المستفادة من غزوات الرسول والخلفاء الأولى هي أحسن وأرفع استراتيجية يمكن التمثل بها الآن وعلى عصور القتال المتطور، من حيث اختبار مكان المواجهة ودقته والتهيئة العامة لصفوف الجيش والشعب من قبل بداية الحرب، كذلك عمليات التمويه والمداراة تجاه العدو، وربما كان أكثر مثل على ذلك ما استوعبته الأمة العربية، عندما قررت محاربة العدو الصهيوني عام 1973، كذلك الالتحام العام للمسلمين في الإيمان بضرورة محاربة عدو لهم.
إن تزويد المقاتل بأقوى الدوافع النفسية.. يعتبر أكبر دافع للاستبسال في القتال وذلك سعياً وراء النصر والشهادة.. كذلك قدوة القائد كنموذج للقوة الشجاعة والمبادرة.. كما أن الاعتماد على القيادة الحكيمة على أحدث المعلومات عن العدو وتحركانه وقوته وخططه، أولى ركائز النصر، فقد أرسل الرسول قبل غزوة بدر فريقاً للاستطلاع للحصول على معلومات عن العدو.. بقيادة علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص..
تسللوا إلى بدر وعلموا أن المشركين سيصلون لبدر في اليوم التالي والذي يليه، كما علموا أن أشراف قريش جميعاً خرجوا للقتال، وكذلك معرفة العدد التقريبي لهم ومن هذا استطاع الرسول أن يضع خطته على أساس سليم..
وتتشابه هنا الأحداث بأعظم حروبنا الحديثة، وحرب أكتوبر العظيمة.. حيث تم اختيار التوقيت المناسب للضربة الأولى ومعرفة الحال التي عليها العدو في ذلك الوقت.
الضمير الديني
ويرى الخبير العسكري اللواء. طلعت مسلم أن العقيدة والإيمان بالحق هما مفتاح النصر في جميع المعارك وخاصة إذا جاءت في رمضان، حيث يعتبر الصوم منهاجاً للتربية العسكرية، وربما كان الفشل الأساسي في نكسة 67 عدم وجود عقيدة للجندي العربي حينذاك، وعندما أدركها في حرب 73 كان النصر العظيم الذي تحدث العالم عنه ومازال حتى الآن وسيظل يتحدث عنه عصورا قادمة.
وفي معارك وغزوات الرسول تبلورت النظرية الحربية الإسلامية.. والتي تعتبر مقومات النصر وليدة إرادة وصبر وثبات أمام الشدائد والحرب النفسية والدعائية التي يشنها العدو، كذلك الالتحام المباشر لأنه يرهب العدو..
ويجعله في حالة ارتباك وعدم توازن، وهذا ما تجلى بالفعل في غزوات الرسول بالإضافة للوقت وعلى شكل خاص شهر رمضان فهو شهر كريم له أبعاده المعنوية التي تدعم إرادة الإنسان، لأن الصوم هو العبادة الوحيدة التي تنسب لله، وهذه الطريقة تربي الضمير الديني والصبر والعزيمة والانضباط، وهي تربية عسكرية من الدرجة الأولى..
ولا يعبر هذا الانضباط عن الخوف من القائد إنما رب العباد..كما أن الصوم مجابهة الشهوات وكبح جماح النفس وهذا هو الجهاد الأكبر الذي يهون أمامه الجهاد الأصغر، وبالتالي ينتصر المسلمون.
وعن غزوة حنين التي وقعت في اليوم الخامس من شهر شوال من العام الثامن للهجرة النبوية، يقول د. عبدالصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية: من أهم الدروس المستفادة من غزوة حنين أن كثرة القوات ـ وحدها ـ ليست هي أساس النصر في الحروب وإنما القيمة الكبرى في الإيمان بالله تعالى، وقد تأكد ذلك من دراسة الغزوات الإسلامية، حيث كان المسلمون قلة وقد نصرهم الله تعالي على أعدائهم وأعداء الإسلام.
القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية:

