النوم سر من أسرار الحياة التي وضعها سبحانه وتعالى في الكون، فهو عالم مثير مليء بالألغاز، ومن الصعوبة فك شفراته، يقول عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه أخو الموت، أو الموت الأصغر فيه ينتقل الإنسان من العالم الحي إلى العالم الروحاني، حيث تسبح الروح في الفضاء، حيث لا حواجز ولا ماديات تتقابل معه وتسافر عبر الحدود، ترى أشياء لا يمكن أن يدركها الياقظ.

النوم.. تركيبة معقدة في الجسم، والإنسان إذا لم يأخذ قسطاً من الراحة ترتبك جميع أجهزته الجسمانية، وإذا طالت تلك المدة تؤدي إلى الهلاوس التي قد تعقبها الوفاة.في هذا الحوار اقتربنا من هذا العالم المثير في رحلة يصحبنا فيها د. أحمد شوقي إبراهيم رئيس مجلس إدارة المجمع العلمي لبحوث القرآن والسنة والذي أكد على أن النوم إذا حرم منه الإنسان خمسة أيام يدخل في غيبوبة الموت!

* نعلم أن النوم ضروري جداً للإنسان، ولكن بالتأكيد الأمر يختلف عندكم ونتساءل هل النوم ضروري؟

ـ يقول الله تعالى: هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون، من معاني الآيات الكريمة نجد أن الله تعالى جعل الليل ليزيل التعب والإرهاق بالنوم والسكون فيه، وجعل النهار مبصراً أي مضيئاً لتهتدوا به في قضاء حوائجكم ولا يستطيع الإنسان مقاومة الرغبة في النوم إذا حان وقت النوم، وأجريت العديد من التجارب على العديد من الشباب الأصحاء ولمعرفة مدى قدرتهم على مقاومة النوم.

وكانت نتائج هذه التجارب تدل على أن الإنسان صحيح الجسم لا يستطيع مغالبة النوم أياماً قلائل، واذا حرم من النوم اضطراراً فإنه يقع في نوم عميق لو في أي مكان، ولو كان في قارعة الطريق، وأظهرت دراسات أجريت في ولاية فلوريدا أن الشباب أقدر على احتمال الحرمان من النوم من الكبار، كما تبين أن المحرومين من النوم من الرجال والنساء يأكلون بشراهة كبيرة.

وأظهرت التجارب أيضاً أن الإنسان إذا حرم من النوم ثلاثة أيام متوالية فإنه يصاب بإرهاق شديد وفقدان القدرة على الاتزان البدني والتفكير ولا يفهم كلام المتحدثين إليه. وإذا حرم الإنسان من النوم أربعة أيام متوالية فإنه يفقد الإحساس بالمكان، الذي هو فيه وبالمجتمع من حوله وتضطرب فيه الأحاسيس المختلفة، وتحدث له هلاوس سمعية وبصرية وفي الحواس الأخرى.

وإذا حرم من النوم خمسة أيام متوالية فإنه يفقد وظيفة الجهاز الحركي والنطق بالكلمات ويفقد الإحساس بهويته وسرعان ما تحدث له حالة تشبه حالة الفصام ويشك في كل من حوله أنهم يريدون قتله او ايذاءه، وإذا حرم من النوم أكثر من ذلك دخل في غيبوبة الموت، ومن هذه التجارب تأكد أن حياة الإنسان لا تستمر بدون النوم.

وفي سجون العصور الوسطى كان الحرمان من النوم أحد وسائل التعذيب، حيث كانت تربط قدمي السجين بسلاسل حديدية تتحرك بعنف بين دقيقة وأخرى وتسبب إزعاجاً مستمراً حتى ينهار السجين بدنياً ونفسياً ويخضع لأوامر السجان، فالحرمان من النوم من أشد العذاب للإنسان.

سر الأحلام

* وما هي علاقة الروح بالجسد أثناء النوم؟

ـ أثناء النوم تغادر الروح الجسد، ولكنها تظل متعلقة به وتذهب الروح إلى عالم الأرواح وتقابل أرواحاً أخرى أثناء النوم وفي هذا يكمن سر الرؤى والأحلام..

ولعل الناس في غفلة هم الذين لا يؤمنون بالبعث بعد الموت لأن كل إنسان بل كل كائن حي ينشغل من عالم اليقظة إلى عالم آخر كل يوم، إن الإنسان يعيش كل يوم في عالمين مختلفين كل الاختلاف، عالم اليقظة وعالم النوم، الذي يصير فيه بدون روح وبدون عقل وبدون نفس أيضاً، لا يرى ولا يسمع ولا يحس بما حوله أو يشعر بالزمن، وفي هذه الحالة لا يختلف عن المتوفي إلا انه يتنفس وقلبه ينبض.

* هل تحدث تغييرات في وظائف أعضاء الجسم أثناء النوم؟

ـ لما كان النوم يختلف كثيراً عن حالة اليقظة، فلابد أن نتوقع حدوث تغييرات في وظائف أعضاء الجسم أثناء النوم، وهي انخفاض حرارة الجسم قليلاً نصف درجة ويرجع ذلك لتباطؤ نشاط بعض العمليات الحيوية بالجسم، هذا بالإضافة إلى الارتخاء العضلي أثناء النوم، لأن التوتر العضلي ينتج حرارة، فإذا حدث ارتخاء بالعضلات توقف مصدر من مصادر إنتاج الحرارة في الجسم، لذلك يحتاج النائم إلى غطاء لجسده أكثر مما يحتاج اثناء اليقظة.

وينخفض ضغط الدم قليلاً إلا أنه قد يرتفع فجأة أثناء الأحلام المزعجة، كذلك تحدث تغييرات بنبض القلب تصاحب تغييرات ضغط الدم في معظم الأحوال وتباطأ حركات الأمعاء أثناء النوم، إلا انها تستمر ولا تتوقف أبداً، ويقل افراز العصارات الهاضمة في المعدة والأمعاء لذلك ينصح بعدم تناول وجبة عشاء كبيرة قبل النوم، بل يجب أن تكون وجبة خفيفة.

* هل للضوء علاقة بالنوم؟

ـ نعم ففي معظم الأحوال يكون وقت النوم ليلاً حين يختفي الضوء ويعم الظلم، لأن الظلام ينشط افراز هرمون النمو، كما ينشط افراز هرمون الميلاتونين وينصح الأطباء والعلماء بإطفاء المصابيح في غرفة النوم أو باستعمال ضوء خافت جداً حتى تهدأ الأعصاب وتسترخي العضلات وينام الإنسان نوماً عميقا.

ولم يكن السر العلمي في إطفاء المصابيح في غرف النوم معروفاً، وكذلك الفائدة العلمية في أن الضوء يمنع إفراز الميلاتونين وان الظلام يزيده وما عرف ذلك إلا حديثاً، إلا أن الحديث النبوي الشريف أشار إلى هذه الحقيقة من قبل ان يعلم الناس عن مغزاها شيئاً، فقد أخرج الإمام مسلم وأصحاب السنن والإمام البخاري عن عطاء عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث له قال:

إذا كان جنح الليل ـ أو أمسيتم فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً وخمروا آنيتكم وأطفئوا مصابيحكم. وأخرج مسلم عن أبي اسامة عن بريد عن أبي برده عن أبي موسى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إن هذه النار إنما هي عدو لكن فإذا نمتم فأطفئوها عنكم.

* هل من الممكن أن يكون النوم علاجاً القلق النفسي والتوتر العصبي؟

يقول بعض الباحثين: إن النوم يساعد على الشفاء من كثير من الأمراض ويقلل أيضاً مضاعفات المرض، حيث ينصح الأطباء بالراحة التامة وملازمة الفراش، كما أن النوم علاج للقلق والانفعال العصبي، فإذا نام الخائفون حصل لهم الأمن، فلولا حصل النعاس للمقاتلين المؤمنين يوم بدر، وحصلوا استراحة أبدانهم ما تمكنوا في اليوم التالي من القتال وتم لهم النصر وعن الإمام علي رضي الله عنه قال:

ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد فكنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح. وعن يوم أحد يقول عز وجل:

ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنه نعاساً يغشي طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم انفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء، وعد الله المؤمنين بالنصر على الكافرين والنصر لابد أن يكون مسبوقاً بإزالة الخوف عن المؤمنين ولما عصي بعض المؤمنين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واهتموا بجمع الغنائم سلط الخوف عليهم ثم ذكر أن مازال ذلك الخوف عن المؤمنين الصادقين بحيث غلب عليهم الناس.

* هل يختلف نوم الأنبياء عن نوم الإنسان العادي؟

ـ للأنبياء مع نومهم شأن آخر ومختلف تنام عيونهم لأنهم بشر، لكن لا تنام بصيرتهم وإدراكهم لأنهم أنبياء، وأخرج البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي والقلب كناية عن العقل والإدراك والبصيرة.

* ما هو أنسب وضع للجسم أثناء النوم؟

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المعلم للأمة والأسوة الحسنة لنا في كل شيء حتى في طريقة نومه وذكرت كتب السنة أن صلى الله عليه وسلم كان ينام على جنبه الأيمن ويداه وساقاه مثنيتان قليلاً ويده اليمنى تحت خده ووجهه متجه إلى الكعبة إنه الوضع المثالي للجسم أثناء النوم .

والذي يحقق الاسترخاء البدني والنفسي المطلوبين من النوم، وقد روي أيضاً عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ـ لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى وفي رواية أخري:

لا تضع إحدى رجليك على الأخرى إذا استلقيت والتفسير العلمي للحديث النبوي الشريف أن وضع إحدى الرجلين على الأخرى أثناء النوم لا يحقق الاسترخاء البدني والنفسي المطلوبين في النوم، لأن ذلك لا يتحقق إلا بأن تكون كل عضلة في الجسم في حالة استرخاء، وكل مفصل في وضع مريح له بدون شد على أربطة المفصل.

وهذا لا يتحقق إذا وضع النائم على ظهره وبإحدى الرجلين على الأخرى، وإنما يتحقق بالوضع الجنيني، وهو الوضع الذي ذكرته السنة المشرفة ونصح به العلماء في عصر العلم الحالي.

* ما هي المواصفات الصحية لمكان النوم؟

ـ تتلخص الشروط الصحية لغرف النوم ففي عدة امور: أن يكون الفراش وكل ما في الغرفة نظيفاً وخالياً من كل الأسباب التي تسبب المرض للنائم مع طفيليات وميكروبات وغبار وغيره، و أن يكون بعيداً عن التلوث الجوي والضوضائي، ويراعي تدفئة غرف النوم أثناء فصل الشتاء، وايضا تجنب وجود النباتات في غرف النوم أو مشاركة الحيوانات مع النائم في الغرفة نفسها.

* هل يختلف نوم المرأة عن نوم الرجل؟

ـ من المعروف لدي الباحثين أن عدد ساعات نوم المرأة أقل من عدد ساعات نوم الرجل، وذلك بسبب تغييرات فسيولوجية تحدث في جسد المرأة تقلل من دخولها في نوم عميق، ومثال ذلك فترة الدورة الشهرية وفترة الحمل وفترة انقطاع الحمل.

وكل هذه الفترات التي تمر بالمرأة تسبب تغييرات في مستوي الهرمونات بالجسم، الأمر الذي يؤثر سلباً على النوم، هذا بالإضافة لعمل المرأة خارج المنزل، ومسئولياتها داخل المنزل في رعاية أولادها وزوجها.

* وما هو مرض النوم؟

ـ هو مرض يسببه طفيل تنقله ذبابة التسي تسي إلى الحيوان والإنسان وهي ذبابة تتغذى على دماء ضحاياها، ولهذه الذبابة أنواع ويصيب الطفيل الكبد والقلب والجهاز العصبي المركزي وفي النهاية ينام المريض نوماً طويلاً ينتهي بوفاته وهو نوم أقرب للغيبوبة منه للنوم.

* ماذا عما يسمى بالتنويم المغناطيسي؟

ـ تتم تجربة التنويم المغناطيسي بواسطة استخدام طاقات العقل الباطن والنوم الحاصل يكون نوماً من نوع خاص، فهو حالة بين الوعي واللا وعي ويحس النائم بشعور مريح بالنشوة والاسترخاء النفسي والهدوء والسعادة الفياضة، حتى إنه لا يرغب في اليقظة من نومه والعودة إلى حالة الوعي والانتباه.

وأثناء هذا النوم يستطيع الإنسان شم الروائح وسماع الأصوات ويسيطر المنوم سيطرة تامة على نفس المريض وعقله الباطن، والنائم لا يملك إلا أن يستجيب له.

القاهرة ـ فاطمة الزهراء كامل :