الحقيقة الأولى والأساسية والبديهية، المتعلقة بالعمارة المسجدية، هي أن كل مسجد يشكل تحدياً حقيقياً للمعماري الذي يتصدى للقيام على مشروعه، يستوي في هذا عمل صرحي هائل من أعمال سنان، التي تطل علينا من بهاء تقاليد القرن السادس عشر المعمارية وشموخها، ومسجد حي صغير يقام في ضاحية لم تكتمل ملامحها المعمارية إلا بالأمس القريب.

هذه الحقيقة لم تنبع من فراغ، ولم تأت من عدم، وإنما هي ابنة حشد المشكلات النابع من الأبعاد الوظيفية للعمارة المسجدية، معناها، الحمولات الرمزية المرتبطة بها، الآفاق الايديولوجية لها، وأيضاً التقنيات المستخدمة في البناء وغير ذلك كثير.من دون الغرق في غابة التأملات والأفكار المتعلقة بكل بعد من هذه الأبعاد على حدة، دعنا نتذكر هنا الحقيقة البسيطة القائلة إن الطبيعة الوظيفية للمسجد قد فرضت عليه نوعاً من الحتمية الشكلانية.ما الذي يعنيه هذا بالضبط؟سأضرب مثالاً واحداً فقط على المقصود هنا، فالمساجد، أياً كانت الخيارات المتعلقة بها تخدم الغرض الوظيفي البارز، المتعلق بكونها بيوت صلاة، لا تضم إلا المحراب والمنبر كعناصر إيضاحية أو إشارية للاتجاه.

هكذا فإنه على امتداد التاريخ الإسلامي كله ظهرت المساجد إما كبيوت صلاة مسطحة السقف تقوم على غابة من الأعمدة الحاملة، أو كبيوت صلاة ذات قباب متعددة، أو كبيوت صلاة ذات أشكال شبه هرمية في سقفها تعلو قبة هائلة بدنها الأساسي وتكسو الفضاءات الهامشية أسقف مسطحة أو عقود أو أنصاف قباب أو قباب أصغر.وجهود المعماريين المنصبة اليوم على إبداع المواءمة المعاصرة، في السياق المسجدي، تمر بإعادة تفسير العناصر التقليدية التي لم تعد لها ضرورة عملياً اليوم أو تجنبها كلية.لكن هذه الجهود أفرزت ردود أفعال قوية تتضمن الإصرار على التمسك بالعناصر والموتيفات المستقرة في تقاليد الذاكرة البصرية بالنسبة للمسجد.

ولهذا بالضبط فإن الجهود المبذولة حالياً للتوصل إلى حلول عصرية لمشكلات العمارة المسجدية لم تتمكن من الإفلات من قبضة صورة المسجد التقليدي، التي أصبحت لا تنفصل عن المعنى في وجدان المسلم اليوم.

في ضوء هذا الوضع، الذي لا يفتقر إلى التعقيد، يلفت نظرنا الجهد المبذول في تصميم جامع البخاري في خورفكان، الذي تشرف عليه أوقاف الشارقة.

هذا الجامع يقدم محاولة لإعادة تفسير التقاليد البصرية، من دون تغريب لأبناء المجتمع الذي شيد المسجد بين ظهرانيهم، وفي الوقت نفسه اعتماد مفردات قابلة للتكرار، كثيراً ما نراها في نماذج العمارة الإسلامية التي تنتشر اليوم بكثافة في العديد من أرجاء العالم الإسلامي.

المئذنتان هنا تقدمان اجتهاداً إنشائياً وجمالياً جديراً بالتوقف عنده وتأمله، وشأن العديد من مساجد الإمارات فإن القبة موجودة، ولكنها تتراجع إلى حدود وظيفية، تجعلها في الحد الأدنى من البروز.

والعقود والأعمدة تحمل ملامح الاجتهاد في إعادة التفسير، تماماً كالمشروع الزخرفي للجامع، من دون أن يعني ذلك للحظة التخلي عن تأكيد الهوية.

لاحظ أن المحراب يكتفي بذاته، كدلالة إشارية في حائط القبلة، حتى ليكاد يخلو من كل العناصر الزخرفية، مكتفياً بحلة قشيبة من نور.

الوزرة التي تزنر جدران المسجد وأعمدته تحمل إشارات زخرفية لافتة، ويلفت نظرنا كذلك التوظيف البارع للزجاج المعشق في نوافذ الجامع، مع استحضار العقود ذاتها التي نراها في المداخل.