التربية النبوية

مراعاة الأمانة في البيع والشراء

روى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على صُبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، فمن غشنا فليس منَّا».

دعا الإسلام أتباعه ليكونوا أمناء في سائر أعمالهم، وأمرهم بالصدق في كل أقوالهم، ونهاهم عن الغش والخيانة في جميع معاملاتهم، وذلك ليكونوا قدوة لغيرهم من البشر الذي يستوي فيه المظهر والمخبر.

والحديث الذي معنا نموذج عملي يبين لنا جانباً من منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تربية أمته على خلق الصدق والأمانة في البيع والشراء، هذا المنهج لا يكتفي بإصدار الأوامر والنواهي في هذا الشأن، فهناك نفوس من البشر لا يخافون الله،.

ولا يلتزمون أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم فكان لابد من متابعتهم من قبل الحاكم أو من ينوب منابه، ليراقبه، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة التي تتلخص في رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لبائع بُرّ (قمح) في الطريق، فأدخل يده في ذلك الطعام حتى أوصلها إلى أسفل الكومة، فوجد فيها بللاً فسأل صاحب الطعام عن سبب البلل، فتعلل بأنه أصابه المطر ومعلوم أن الحبوب عندما تبتلّ يزيد حجمها ووزنها.

وتصبح غير صالحة للادخار، لذلك اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم، أن اخفاء ذلك الطعام في أسفل الكومة ـ رغم بلله ـ غشاً، مما استدعى توجيه تحذير إليه حيث قال له عليه الصلاة والسلام: «من غشنا فليس منّا». وفي ذلك تهديد لكل من يغش، وحُكْم عليه بأنه مخالف لدين الإسلام، ولهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهنا لابد من بيانٍ لمنهج الإسلام الذي وضعه لتربية الناس على خلق الأمانة خاصة في البيع والشراء فقد غرس الإسلام في نفوس أتباعه الشعور الدائم بمراقبة الله تعالى، والإحساس بمعيته في جميع الأحوال في السفر والحضر، في الخلوة والجلوة، في الليل والنهار، في السرّ والعلانية، كما في قوله تعالى:

«ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة» المجادلة.

كما غرس فيهم عقيدة إحصاء الأعمال وتسجيلها على أصحابها بواسطة الملائكة كما في قوله تعالى: «وإن عليكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون» الطارق .. كما غرس فيهم عقيدة البعث والحساب على الأعمال يوم القيامة، كما في قوله تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره» الزلزلة.

من خلال هذا المنهج ربّى الإسلام أتباعه على خلق الأمانة وجاءت آيات القرآن تذكر الناس بمراعاة القسط في المكاييل والموازين كما في قوله تعالى: «والسماء رفعها ووضع الميزان، ألّا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان» الرحمن.

وهدد الذين يتلاعبون بالمكاييل والموازين بعذاب أليم يوم القيامة فقال: «ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهن يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم» المطففين.

وهكذا ربط هذا المنهج التربوي الناس بربهم فراقبوه في أعمالهم حتى أينعت ثمرات هذا المنهج، فظهرت الأمانة في أبهى صورها عبر أحداث روتها لنا كتب الحديث الصحيحة ومن ذلك ما روى عن عبد الله بن دينار أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة، فعرسنا في بعض الطريق، فانحدر بنا راعٍ من الجبل فقال له:

يا راعي، بعني شاة من هذه الغنم، فقال: إني مملوك فقال: قل لسيدك أكلها الذئب، فقال الراعي: فأين الله؟ فبكى عمر رضي الله عنه ثم غدا مع المملوك، فاشتراه من مولاه، وأعتقه، وقال: اعتقتك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو ان تعتقك في الآخرة.

د. أبو بكر علي الصديق

تعليقات

تعليقات