غاية العمل والنشاط الإنساني في الإسلام الموازنة بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، على خلاف النظم الوصفية التي تهدف إلى تحقيق الربح الوفير وصولاً إلى مجتمع الرفاهية كما في الرأسمالية، أو تحقيق الاكتفاء للجميع كما هو زعم المعسكر الاشتراكي، أما الإسلام فهو دين الوسطية «لا تظلمون ولا تظلمون» كما في الكتاب الكريم، و«لا ضرر ولا ضرار».
كما في السنة المباركة، وبنظرة للنظام الرأسمالي نجده يمنح الحرية المطلقة للفرد في ممارسة ما يطلق عليه «العمل الحر» وهذه الحرية المطلقة تدفع هذا الفرد أو ذاك إلى تحقيق الأرباح الطائلة على حساب الآخرين بغض النظر عما ينتج عن ذلك من احتكارات تضيق السبيل إلى الاحتياجات الأساسية فتحدث الأزمات الاقتصادية وتتفشى البطالة.
وهذا بالطبع يقود إلى استئثار الأقلية بخيرات المجتمع وحرمان الأكثرية، مما يقود إلى سوء توزيع الثروة ومن ثم إلى الصراع بين الطبقات وهذا ما نعيشه اليوم من هذه الهيمنة البغيضة على وسائل الإعلام وكل منافذ التجارة الأمر الذي أفرز ما يسمى بكتل الشمال وكتل الجنوب ولعلنا نسمع عن الدول الصناعية الثماني الكبرى.
وعلى عكس النظام الرأسمالي نجد ما يسمى بالنظام الاشتراكي يعنى بالمجتمع فيقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، وتتدخل الدولة في الأنشطة الاقتصادية بتملك معظم وسائل الإنتاج بغرض تفادي ما تقع فيه الرأسمالية من أزمات اقتصادية وبطالة، ورعاية مصلحة المجتمع.
إلا أن هذه السياسة في النظام الاشتراكي لم تحقق أهدافها المنشودة بسبب ضعف الحوافز الشخصية ـ كما يقول الاستاذ عبدالسميع المصري ـ وفتور المبادرات الفردية فضلاً عن الضغوط والتعقيدات الإدارية وتحكم البيروقراطية وافتقاد الحرية الشخصية التي هي جوهر الحياة الإنسانية، وبين هذا وذاك من النظامين المذكورين تأتي وسطية الإسلام التي قاعدتها «لا ضرر ولا ضرار» .
ـ كما أشرنا ـ وهي قاعدة تصلح لكل سعي الإنسان في الحياة وكما يقول الاستاذ عبدالسميع المصري في كتابه «مقومات العمل في الإسلام» فإن الإسلام يحرص على هذه الوسطية التي تجعل الحياة تمضي في تناسق وسلام مع النفس ومع الناس، وتجمع بين الفكر والاعتقاد وبين الخلق والعمل.
والإسلام يأبى للمسلم أن يكون بشخصيتين، شخصية مسجدية ورعة وأخرى خارج المسجد تتعامل بأخلاق على نقيض ما عليه هذا المسلم داخل المسجد يدلس ويغش ويؤذي ويمارس ما شاءت له الممارسة من الفسوق والفحشاء والعصيان، وتدهش ولا تكاد تصدق أن الذي رأيته في المسجد هو الذي رأيته خارجه لأن هذه الشخصية تختلف عن تلك اختلافاً بيناً.
وهذا ما يهتف به القرآن لو كنا نسمع ونتدبر «يا أيها الذين آمنوا (لاحظ أن الخطاب أو النداء للذين آمنوا وليس لسواهم) لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» سورة الصف ـ الآيتان 2 ـ 3.
تؤكد كتب التاريخ أن العمالة قبل الإسلام كانت تسخيراً لصاحب العمل ذلك لإباحة الرق في تلك الأزمان فكان مثلاً الرجل يشتري الأرض بمن فيها ممن يسمون عبيداً لدى صاحب تلك الأرض المباعة وكأنهم جزء مما فيها وتنتقل ملكية أولئك العبيد للمالك الجديد وعندما اكتشف ما سمي بالعالم الجديد وهو القارة الأميركية .
ولم تتم نهضة ذلك العالم اقتصادياً إلا بملايين العبيد الذين استجلبوا من إفريقيا السوداء جلبتهم العصابات البيضاء ليستغلوا أبشع استغلال في العمل للسيد الأبيض صاحب الأرض وحتى الذراري تستغل في الأعمال الشاقة والويل لمن يتباطأ فالسوط يلهب ظهره (وقد صور ذلك فيلم الجذور) .
وظل الحال كذلك إلى ما بعد عام 1860م أي منتصف القرن التاسع عشر عندما حاربت الولايات الشمالية بقيادة ابراهام لينكولن (الذي أطلق عليه محرر العبيد) الولايات الجنوبية من أجل إلغاء الرق فيما عرف (بالحرب الأهلية) ولكن، إذا كان الزنوج قد حرروا وصار لهم حق المواطنة، إلا أنهم لا يزالون مضطهدين تمارس فيهم التفرقة العنصرية ولو بطريقة خارج الدستور وهي حقيقة لا تقبل الجدل.
وجاء الإسلام الذي هو رحمة للعالمين ليضع شروطاً عادلة للعامل مع صاحب العمل لا تميز فيها ولا إجحاف وهذه الشروط العادلة فيها حفز على العمل بإخلاص وجهدٍ صادق لتحقيق النهوض للمجتمع، وأول ما عني به الإسلام هو تنظيم العلاقة بين العامل وصاحب العمل وكانت من قبل مفقودة، على أسس تكفل للعامل تأمين العيش الكريم له ولمن يعول ويتضمن عقد العمل الإسلامي:
1 ـ صيغة الإيجاب والقبول من طرفي العقد.
2 ـ تحديد الأجر، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استأجر أجيراً فليسم له أجره، لأن ذلك أدعى لطمأنينة العامل ولانتفاء الغرر وأسباب النزاع.
3 ـ المنفعة: وهي محل العقد، والمقصود بها في عقد العمل نوع العمل أو ماهيته الذي سيقوم به العامل. 4 ـ وفي حالة الأجير الخاص ـ كأن يستأجر شخص ما كاتباً أو محاسباً أو طبيباً للعناية بصحته، أو كان عمل الأجير غير محدد كمن يؤدون مختلف الأعمال التي توكل إليهم من حراسة أو نقل وما إلى ذلك ـ يكون العقد في هذه الحالة من عقود ما يسمى بالمدة ويستحق العامل الأجر، عمل أم لم يعمل (انظر صحيح البخاري المجلد الثاني).
5 ـ يأخذ الإسلام بمبدأ أجر المثل، وهو الأجر الذي يقدره أهل الخبرة وذلك درءاً للمظالم.
6 ـ كفاية الأجر، بمعنى أن يكون الأجر مناسباً للعامل حسب ظروفه ووضعه الاجتماعي ففي ذلك نفع للعامل في دينه ودنياه ونفع للأمة كلها، فلا يستغل العامل بمنحه أجراً أقل مما يستحق لقبوله ذلك اضطرارياً، ونقف هنا لنوضح أن الإسلام يقرر ألا عمل بدون أجر، والدليل على ذلك من القرآن الكريم والسنة المباركة.
قال تعالى في قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح في سورة الكهف: «حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا جداراً يريد أن ينقض فأقامه، قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً » سورة الكهف ـ الآية 77.
أما لماذا لم يطالب العبد الصالح أهل تلك القرية بالأجر فلأسباب خفيت على موسى عليه السلام ثم أوضحها له فيما بعد في سياق السورة الكريمة.