التَّذَكُّرُ هو اختزان المعلومات في الدماغ. وقيل: هو محاولة الذهن استرجاعَ الصورة المحفوظة بعد زوالها عن القوة العاقلة. وللتذكُّر سِرٌّ لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو أن التذكُّرَ صار عبارةً عن طلب رجوع تلك الصورة المَمْحِيَّة الزائلة. فتلك الصورة، إن كانت مَشْعُورًا بها، فهي حاضرة حاصلة، والحاصلُ لا يمكن تحصيلُه، فلا يمكن حينئذٍ استرجاعَها.

وإن لم تكن مَشْعُورًا بها، كان الذهن غافلاً عنها. وإذا كان غافلاً عنها، استحال أن يكون طالبًا لاسترجاعها؛ لأن طلبَ ما لا يكون مُتَصَوَّرًا مُحَالٌ. فعلى كلا التقديرين يكون التذكُّرُ المُفَسَّر بطلب الاسترجاع ممتنعًا، مع أنَّنا نجد من أنفسنا أنَّنا قد نطلبها ونسترجعها. وهذه الأسرار إذا توغَّل العاقل فيها وتأملها، عرَف أنه لا يعرف كُنْهَهَا، مع أنها من أظْهر الأشياء عند الناس، فكيف القول في الأشياء، التي هي أخفى الأمور وأعضلُها على العقول والأذهان!

والصورة الزائلة، إذا حاول الذهن استرجاعَها، فإذا عادت وحضرت بعد ذلك الطلب، سُمَّيَ ذلك الوِجْدانُ ذِكْرًا. وقوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ، قيل: معناه: تعيد ذِكْرَهُ، وقد قيل: تجعلها ذِكُرًا في الحكم. فإن لم يكن ذلك الإدراك مسبوقًا بالزوال، لم يُسَمَّ ذِكْرًا؛ ولهذا قال الشاعر:

الله يعلم أني لست أذكره ... وكيف أذكره إذ لست أنساه فجعل حصول النِّسْيَان شرطًا لحصول الذِّكْرِ؛ ولهذا قيل: الذِّكْرُ، وإن كان ضَرْبًا من العلم، فإنه لا يُسَمَّى ذِكْرًا، إلا إذا وقع بعد النسيان، وأكثر ما يكون في العلوم الضرورية.

ويوصف القول بأنه ذِكْرٌ؛ لأنه سببُ حصول المعنى في النفس. قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون (الحجر:9). وقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ (الزخرف:44) فيه وجهان: أحدهما: أنه ذكر من الله تعالى ذكَّر به عباده، فعرَّفهم تكاليفه وأوامره. والثاني: أنه ذِكْرٌ وشرفٌ وفخرٌ لمن آمن به، وأنه شرفٌ لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأمته. وقال بعض العلماء في الفرق بين قوله تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (البقرة:152)، وقوله تعالى اذْكُرُواْ نِعْمَتيَ (البقرة:122):

أن قوله: فَاذْكُرُونِي مخاطبةٌ لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، الذين حصل لهم فضلُ قوةٍ بمعرفته تعالى، فأمرهم بأن يذكروه بغير وساطة. أما قوله: اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ فهو مخاطبةٌ لبني إسرائيل، الذين لم يعرفوا الله عز وجل إلا بآلائه، فأمرهم أن يتبصَّروا نعمتَه، فيتوصَّلوا بها إلى معرفته سبحانه.