«وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر»من القضايا التي اتسعت لها جوانب القرآن وتناولها سياقه في غير موضع: قضية السحر والسحرة وما كان القرآن ليغفل ظاهرة علمية كظاهرة السحر أخذت مجراها على مسرح الحياة حتى اتصلت بالعقيدة وكانت مثار الجدل بل مبعث اللجاج بين فريقين يختصمان حول الحق والباطل، وينقسمان حول الدعوة الدينية في بعض أزمنة النبوة.
والمتصلون بالقرآن يعلمون ما شجر من خلف صاخب بين فرعون وسحرته وبين موسى عليه السلام ويعلمون ما كان للسحر على فرعون وبطانته من تأثير ثم ما كان لموسى عليهم من الغلب: إذ بطل السحر، «فألقى السحرة ساجدين. قالوا آمنا برب العالمين» فكان من نفحات القرآن أن يبصرنا بتلك الظاهرة التي باتت مزلة للعقيدة وفتن بها خلق كثيرون. ولكن، من أي ناحية يعرض القرآن للسحر، وله جوانب عدة؟
عهدنا بالقرآن أن يعنى بجانب الموعظة والإرشاد ويسوق من الآيات ما يتصل بهدفه وينير المحجة لأتباعه، ويقيم الحجة ويسوق من الآيات ما يتصل بهدفه وينير المحجة لأتباعه ويقيم الحجة على مخالفيه.
أما ما بعد ذلك من غايات أخرى ـ كتاريخ السحر، ووسائله وتطوراته وأنواعه وتفصيل آثاره ـ فقد لا يذكرها القرآن أو لا يذكر بعضها إلا عرضاً ولتمام الفائدة.. وهو يدعها لبعدها عن مقصوده الأول ـ التربية والعظة ـ أو لأنها غير محدودة: فهي تختلف باختلاف الأزمنة وتتفاوت في تقدير العقول.
وحديث القرآن عن السحر يتصل بموسى ويتصل بسليمان بن داود عليهم السلام ويتصل كذلك بهاروت وماروت من الملائكة المكرمين.
وقد ارتضيت أن أختار «سحر هاروت وماروت» مطلعاً للحديث لأن زمنها أسبق من زمن موسى ومن زمن سليمان اذ كانا في زمن إدريس قبل الطوفان وأما موسى وسليمان فهما من ذرية إبراهيم وبديهي أنهم كانوا بعد الطوفان وسلام الله عليهم أجمعين.
ونظرة إلى الآيات «واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان» إلى قوله تعالى عطفاً على ما ذكر «وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت» توهم أن زمن سليمان أسبق تاريخاً لتقدمه في الذكر.
وذلك في بادئ الرأي يخالف ما أسلف من أسبقية هاروت وماروت.
سيما أن القرآن الكريم لا يتقيد برعاية التاريخ فذلك غير ما يعنيه وما كان يغض من روعة القصة أن تكون على ترتيب الزمن فيبدأ فيها بذكر هاروت وماروت على ذكر سليمان.. ولكن الشأن فيما يبدو لنا يقضي بورودها على النمط الذي جاءت به لأن سليمان رسول وقد لصق به السحرة من الأباطيل ما فيه كفر والله يغار على رسله من سفه أعدائه وأعدائهم وأعداء الحق.
فكانت الحكمة السامية أن تبادر الآيات إلى تبرئة سليمان عليه السلام بما عزى إليه «وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا».
من تدبير الله في ملكه أن يفضي إلى الملائكة بما كان غيباً ثم حان وقته فلم يعد غيباً وللملائكة فيما بينهم مناجاة بما ألقى إليهم من شؤون كونه.
وكانت للشياطين جولات علوية تمكنهم أن يسترقوا السمع مما يدور بين الملائكة ثم تهبط الشياطين بما تلقفته وتخلط حقاً بباطل فتضيف إلى ما سمعت كثيراً من الأكاذيب الشيطانية وينتهون بذلك كله إلى أناس من الأشرار نصبوا أنفسهم للضلال واتخذوا الشياطين أولياءهم فأصبح شياطين الجن وشياطين الأنس أعوان فتنة ودعاة إفساد «وان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون».
ثم ظهرت موالاة أناس للجن بشكل واضح في عهد إدريس عليه السلام وكان علم السحر فاشياً حينئذ بين الناس فاستطاع السحرة أن يستعينوا بما يأخذون عن الشياطين: «وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً».
وكانت الوسيلة لهؤلاء المفسدين إلى السحر تجارب وقعت لهم وصيغاً حفظوها من كتب لا ندري مصدرها كما كانت المنكرات وسيلتهم في التقرب إلى الشياطين فهم يرددون ما يوسوس إليهم مردة الجن، ويفعلون من الكفريات ما يعجبهم ويستهينون بما لا يقدم عليه إلا من خبثت نفسه وفسدت طويته وطاب له أن يمعن في الشر، قولاً وعملاً وعقيدة ليرضي شهوته وشيطانه.
راجت أباطيل السحرة بأرض بابل بالعراق فجرت الناس تيار السحر، وفتنتهم تخيلاته حتى التبس عليهم الحق بالباطل وزعموا أو زعم كثير منهم جواز الأخذ به على الإطلاق في غير حرج وتزعزعت عقيدة الناس في كثير من الحقائق الدينية فظنوا أن السحرة يعلمون الغيب، ويخبرون بالمستقبل وأن مقام السحرة أشبه بمقام الأنبياء.
وكان من رحمة المولى بخلقه من أهل تلك الديار أن يبعث إليهم من ملائكة السماء هاروت وماروت ليعلما الناس أن الشائع بينهم سحر بل ليعلموهم نفس السحر حتى يتبنوا أنه صناعة تكتسب بالتعليم وليس علماً سماوياً وأنه يستعان فيه بالوسائل المادية كالعزائم والرقى وأن محاولات السحر وهى عمل إنساني قد تصح وقد لا تصح وليس كذلك ما يكون من علم السماء.
إذا عرف الناس ذلك فقهوا وفطنوا إلى الصواب، واهتدى من فيه صلاحية للهداية وكان من أمانة الملكين - كما عهد الله إليهما - أن ينصحاً كل أحد من الناس قبل تعليمه فيقولا له: «إنما نحن فتنة - ابتلاء - فلا تكفر» فلا تغتر بتعلمك السحر ولا تعتقد حله، فتستبيح به المحظور.
وبهذا يتضح سبيل الرشد من سبيل الغي، فمن انتصح واجتنب السحر من أولئك - عقيدة وعملاً - فهو المؤمن الثابت. ومن تطوع للشيطان فهوى غوي من الغاوين فكأن تعليم هاروت وماروت امتحان من الله لعباده ليتبين لهم ما لا يعرفون من خبايا أنفسهم ولله سبحانه أن يختبر خلقه بما يشاء حتى ينفي الخبث عن دينه ويبعد الزيف عن خلصائه «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم».
ومع تحذير الملكين لمن ينصحانه لم تكن النفوس كلها خيرة: «فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله» وأصبح السحر لديهم من يركن إليهم ويفرقون به بين الصاحب وصاحبه بل بين المرء وزوجه وبقي السحر ظاهرة فاشية يتوارثها من الخبيثين خلف عن سلف والشياطين يتعهدونهم بالإمداد من أكاذيبهم وإغوائهم إلى أن جاء عهد سليمان عليه السلام.