لابد أن يسوقنا المجال ـ عن الخطابة ـ إلى أعجب الخطب، من أمثال خطبة زياد البتراء وخطبة الحجاج بن يوسف غداة توليه العراق وغيرها. ونجتزئ بذكر خطبتين اثنتين من هذا القبيل، وهما من أعجب الخطب وأغربها.
الأولى للحجاج بن يوسف الثقفي وقد أراد أن يسافر من العراق إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان. فولى عليهم ولده محمدا ريثما يعود ثم توجه يخطب لهم الجمعة ليودعهم ويخبرهم بتأميره ولده محمدا عليهم. إلاّ إنه حين صعوده المنبر انكسرت درجة من درج المنبر أسفل قدمه وكاد هو يسقط على أثر هذا..
فهَمْهَمَ الناس متفائلين بأن ذلك علامة على عدم عودته من سفره.. فسمع همهمتهم فدعا أحد حراسه وقال له ماذا يقول القوم؟ قال: إنه يتشاءمون من كسر الدرج ويقولون إنها علامة على الشر في هذا السفر! فغضب الحجاج وعدل عن الخطبة التي كان ينتوي إلقاءها وقال بدلا منها خطبة عجيبة، إذ حمد الله تعالى وصلى وسلم على رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قال:
«شاهت الوجوه.. وتبّتِ الأيدي.. وبؤْتُمْ بغضب من الله ورسوله! أإذا انكسر عودُ جذْعٍ ضعيف تحت قدم أسد شديد.. تفاءلتم بالشؤم؟ والله إني على أعداء الله تعالى لأنكد من الغراب الأبقع.. وأشأم من يوم نحس مستمر!
وتعلمون أني متوجه إلى أمير المؤمنين.. وقد ولّيتُ عليكم ابني محمدا.. وقد أمرتُه فيكم على خلاف ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار! فقد أمره أن يُحْسَنَ إلي محسنهم وأن يُتَجاوَز عن مسيئهم.. وقد أمرتُه أن يسيء إلى محسنكم وألاّ يتجاوز عن مسيئكم!
ألاَ وإنكم لتقولون فيّ مقالة يمنعكم خوفُكم أن تجهروا بها، تقولون لا أحسن الله الصحبة له في سفره، وأنا أعجّل الجواب وأجهر لكم به فأقول لكم ولا أحسن الله عليكم الخلافة!
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله!».
والخطبة الثانية أعجب من سابقتها، فقد اشتد بالناس الجدْب وحُبس عنهم المطر فخرجوا يصلون صلاة الاستسقاء.. ووجدوا بينهم رجلا كان يدعى أبا علقمة النحوي.. وكان معروفا بالتقَعُّر في حديثه تقَعُّرا تأباه فصاحة اللغة. ولكنهم لم يجدوا من يقدمونه لخطبة الاستسقاء سواه فقدموه.. فخطب فكان خَطْبًا لا خطيبا..
حيث قال: اللهم ربنا وإلهنا ومولانا، صلِّ على محمد نبينا، اللهم ومن أراد بنا سوءاً فأحط ذلك السوء به إحاطة القلائد بأعناق الولائد.. ثم أرْسِخْه على هامته كرسوخ السِّجيل.. على هام أصحاب الفيل.. اللهم اسقنا غيثا مُغيثا مَرِيئا مَرِيعا مُجلجلا مُسْحَنْفِزًا مُذْلَعِباً مُسْلَثِبّاً، هَزِجا سَحّاً سَفُوحاً طَبَقاً غدَقا مُثْعَنْجِرا مُرْثَعِنّاً، لا يدع الخيفق إلا زَلَقا، ولا يترك اللهجم إلا غَمَقا..
فقفز أعرابي كان بين الناس فقال:
«يا خليفة نوح.. هذا هو الطوفان ورب الكعبة.. أفلا أمهلتني حتى آوي إلى جبل يعصمني من الماء؟! فتفرق الناس وهم يتضاحكون وفسدت عليه الصلاة. ولا بد من تفسير هذه الكلمات:
السجيل هي الأحجار. ومَرِيع أي غزير. ومُجلْجِل أي من سحاب ذي رعد. ومُسْحَنْفِز أي مدرار. ومُذْلَعِبّ أي منطلق انطلاقا جادا. ومُسْلَثِبّ أي ذو مطر غزير. وهزج أي ذو صوت. وطَبَق أي عام. وغدق أي كثير. ومُثْعَنْجِر أي سحاب كثير المياه. أي هاطل. والخيفق أي الأرض. واللَّهْجَم هو الطريق. وغمق أي ابتل بالماء».
وإلى أمسية الغد إن شاء الله.