مدرسة المشاغبين التي أتحدث عنها اليوم ليست تلك المدرسة التي قدمتها مسرحية كوميدية للفنان المصري عادل إمام في سبعينات القرن الماضي والتي كانت تحتوي على بضعة طلاب مراهقين لم تفلح كل وسائل الترغيب والترهيب في تقويم سلوكهم المتمرد، إلى أن استطاعت مدرسة منتدبة من الوزارة إعادة بنائهم وصولاً بهم إلى مستقبل مشرق.
وإنما هي مدرسة من الصحافيين والكتاب ظهرت في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي واستطاعت أن تستمر إلى اليوم عبر مؤسسات صحافية وإعلامية كبيرة، وهي مدرسة يقدم روادها خليطاً من الأخبار والأفكار التي تبهر وتدهش لصلتها بالدين والسياسة والجنس، ولأنها لا تتورع عن المساس بشخصيات هامة في الحياة الفكرية والدينية والسياسية والاجتماعية مواربة في حالات ومباشرة في حالات أخرى.
وعندما نراجع نتاج صحيفة أو مجلة أو مؤسسة ناشرة فيما أطلقنا عليه اسم مدرسة المشاغبين، نرى أن هذا النتاج يغلب عليه الكذب والافتراء على خلق الله، والجرأة الوقحة على رجال الدين والسياسة، بالإضافة إلى المشهيات الجنسية والمقبلات التي تمس عالم الفن، وكل هذا تحت عنوان حرية الصحافة والكلمة.
فإن اعترض معترض على هذا التطاول وهذه الجرأة، بدأ الندب واللطم على حقوق الإنسان وحريات التعبير ودور الصحافة في إصلاح المجتمع، كأن الحرية لا تكون إلا بالكذب والتجذيف ونشر الغريب والشاذ والتطاول على أديان ومشاعر الناس.
والغريب أن الأمر لا يخفى على الطفل الصغير، فأي فرد يمسك بمنشور من منشورات مدرسة المشاغبين ويقلبه يرى فيه الصور المثيرة إلى جانب الأخبار الكاذبة الخطيرة، والمساس برجال السياسة أو برجال الدين والدفاع عن المزورين والطاعنين في الأديان وأصولها من نصوص مقدسة، ومشاغبو هذه المدارس يصرون على أن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من العلماء المجتهدين والكتاب والمفكرين من ورثة الأنبياء المخلصين لم يفهموا الإسلام ويصلوا إلى حقيقته كما فهموه هم وكما يحاولون نشره.
يدافع هؤلاء المشاغبون عن كل الأدب الفاضح والإباحي والفاحش مما يجعله أقرب إلى قلة الأدب منه إلى الأدب، فإذا سحبت الحكومات كتاباً ساقطاً من هذه الكتب من الأسواق ارتفعت الأصوات المعترضة على الرقابة والقيود على الإبداع الإنساني وعلى الأدب الواقعي داعية إلى الصراحة والوقاحة في التعامل مع النفس والآخر.
ويدافع هؤلاء المشاغبون عن نفر من الكتّاب يدعون أنهم جاءوا بما لم يأت به الأولون والآخرون في التعرض لثوابت الدين، وهم يبطنون الإلحاد والكفر ويظهرون العلم والعلمانية، فإذا ما رأت المؤسسات الدينية الرسمية أن كاتباً قد تجاوز كل الحدود وأن الأمر لم يعد محتملاً كونه يؤذي مشاعر الأغلبية ومقدساتهم، وعلى المستوى الديمقراطي الحيادي لا يجوز ترك قلة قليلة تسيئ إلى الأغلبية وتطعن في معتقداتها مع افتراض حيادية الدولة وعدم تبنيها لدين معين، ثار المشاغبون واصفين المؤسسات الدينية الرسمية الوسطية والمعتدلة بأنها محاكم تفتيش هذا الزمان.
ويفتري هؤلاء المشاغبون باختلاق قصص وحوادث بل وحتى تاريخ كامل مزور ومشوه للشخصيات الدينية أو للحركات والتجمعات الإسلامية، مصرين على أن ينسبوا لأصحابها مواقف لم يتخذوها وأقوالاً لم يقولوها، ومن الطبيعي أن يغفل هؤلاء عن التوثيق لأخبارهم وأقوالهم فكيف يوثقون للكذب والافتراء على عباد الله.
ويصر هؤلاء على اختلاق علاقات بين الثقات من أهل العلم ممن يبشرون بالإسلام كدين محبة ومسؤوليته عن جميع خلق الله وبين الإرهاب الذي لا يفهم أحد له أصلاً أو فصلاً ولم يستطع أحد من ذوي الفكر الموضوعي النزيه أن يحدد من يتحمل مسؤوليته ومن يقوم به فعلاً، حتى قال صحافي مشاغب «إن حصتنا كعرب من الانترنت لا تتجاوز القرضاوي والزرقاوي»!!!
فإذا أضفنا إلى كل هذا نشر الشائعات عن رجال الحكم والسياسة ورجال الأموال والأعمال ورجال الدين من أهل العلم والفضل، مما يعتبر في عرف أي قانون قذفاً يعاقب صاحبه عليه وإذا أضفنا إلى كل هذا اجتزاء الكلام أو المواقف من سياقها العام وتقديمها للناس على طريقة لا تقربوا الصلاة دون ذكر وأنتم سكارى.
وإذا أضفنا إلى كل هذا نشر الأخبار الصحيحة والملفقة عن المشتغلين في الفن من النجوم ذكوراً وإناثاً مصحوبة بالصور الفاضحة والمغرية، ونشر أخبار عن جرائم المجتمع بطريقة توحي أن أفراده كلهم أقرب إلى الشذوذ والانحراف، ظهر جلياً لماذا أطلقنا على هؤلاء جميعاً اسم مدرسة المشاغبين.
إننا نناشد الحكومات أن تحمينا وتحمي أولادنا من الفساد الذي يروج له هؤلاء، فليس من الطبيعي أن تقفل مؤسسة إعلامية أو توقف صحيفة أو مجلة لتعرضها لحاكم أو لشخص من بطانته القريبة ويترك هؤلاء يعبثون بعقائد الناس ومقدساتهم ورموز صحوتهم.
شر بلية آخر يضحك ويبكي