الحمد لله الذي رضى لنا الإسلام ديناً وهدانا إليه صراطاً مستقيماً وخصنا بصيام شهراً عظيماً وكريماً وأمرنا فيه بالطاعات وعمل الخيرات ووعدنا بالرحمة والمغفرة والعتق من النار.ويا أيها الشهر العظيم والضيف الكريم تمهل ولا تسرع الخطى فإننا ننتظرك من السنة إلى السنة وزيارتك لنا مرة واحدة في العام.
وتأتي ويأتي معك الخير والرحمة والمغفرة وفيك تكثر الطاعات وتزداد الحسنات وتقل السيئات وتفتح فيك أبواب الجنات وتغلق أبواب النار وتصفد الشياطين ويكفيك فخراً أيها الشهر الكريم أنك الشهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم وفيك ليلة خير من ألف شهر وهي ليلة القدر.
فتمهل أيها الضيف العزيز فأنت شهر الصيام والقيام وقراءة القرآن والبر والإحسان وصلة الأرحام وفيك يجتمع الأهل والجيران والأصدقاء والخلان وفيك يتساوى الكل فالكل صائم لوجه الله تعالى.
حيث أن الصيام العبادة الوحيدة التي يجزيء الله عز وجل الصائم عليها، حيث يقول الله عز وجل في حديثه القدسي «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به».
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له الله ما تقدم من ذنبه» فمن من لا يريد أن يغفر الله له ذنبه وإذا كنا حقاً جادين في طلب المغفرة فها هي الفرصة الثمينة التي ربما لا تعود مرة أخرى.
فيا أيها الضيف العزيز تمهل فإن قدومك عيد وفرحة للمسلمين، فعندما تأتي تزيين البيوت بالمصابيح والأنوار وتزداد الشوارع أنوار ويخرج المسلمون من فرحة إلى فرحة في وجود هذا الضيف العزيز، فنجد لصيام نهار رمضان فرحة ووقت آذان المغرب والافطار فرحة والصلاة بعد الافطار فرحة وصلاة التراويح فرحة وقراءة القرآن في رمضان فرحة وللسحور فرحة وصلاة الفجر فرحة وخصوصاً في رمضان، فحقاً أيها الضيف العزيز أنت شهر الأفراح وعيد للمسلمين.
فمهلاً فنحن يصعب علينا فراقك وكل يوم يمر منك يعز علينا فراقه ونتمنى ألا يرحل وفي هذا الشهر العظيم ليلة العبادة فيها خير من عبادة ألف شهر، وهي ليلة القدر، قال تعالى إنا أنزلناه في ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر.. الآية.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلمإن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يُحرم خيرها إلا محروم.
وهذه الليلة المابركة يجب علينا التمسك بخيرها والعمل على الفوز بعفو الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من دون غيرها من الأمم، فعلينا أن نكثر من قيامها والدعاء فيها وقراءة القرآن في هذه الليلة المباركة، ينادي الله سبحانه وتعالى الملائكة ويأمرهم بالنزول إلى الأرض.
ويقول لهم هؤلاء عبادي أبناء آدم الذين قلتم فيهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك انزلوا إلى الأرض الآن سوف تجدون عبادي قائمين ساجدين راكعين، ذاكرين ويدعونني خوفاً وطمعاً، يدعونني لأغفر لهم.
يا ملائكتي أشهدكم أني قد غرفت له.
فهنيئاً لمن أدرك هذه الليلة وغشيته الرحمة من الله عز وجل وهبت عليه نسمة من نسائم الجنة فاقتلعت من القلوب ما ضاقت به من الهم والغم وأكدار الحياة، فلا تدع الفرصة تفوتك وأدرك ليلة القدر وأكثر من الخير فيها.
وإذا تكلمنا عن فوائد هذا الشهر الكريم والضيف العزيز فإن الاعتكاف في العشر الأخيرة من هذا الشهر فيها يضاعف المسلم أجره ويكثر من طاعة ربه، فيحبس نفسه على طاعة الله عز وجل والدعاء والتضرع إليه ويترك مشاغل الدنيا التي تشغله طول العام وينشغل بذكر الله والصلاة والدعاء ومناجاة الله سبحانه وتعالى ويرجو رحمة ربه وعفوه ومغفرته.
فعندما سألت السيدة عائشة رضي الله عنها عن الدعاء إذا صادفت ليلة القدر فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فأعف عنا.
فالعفو اسم من أسماء الله عز وجل ومعناه التجاوز عن سيئات عباده والله سبحانه تعالى يحب العفو عن عباده وخصوصاً في هذه الأيام المباركة وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال: «وهو شهر أوله رحمه وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار» جعلنا الله من العتقاء من النار في هذا الشهر العظيم.
ومن الدروس المستفادة والتي نأخذها في وجود هذا الضيف العزيز أن الصوم مدرسة تربوية يتخرج منها المؤمن الصابر الذي يتقي الله ويخشاه في السر والعلانية ويتعلم المؤمن الصبر على ما يواجهه من مظاهر الضعف الإنساني من ناحية الشهوات بأنواعها وتقويه إرادته وعزيمته ومعلوم أن الإنسان مكون من الروح والجسد فإذا ضعفت الروح استحوذ الجسد على زمام الأمور وانقاد الإنسان وراء الملذات والشهوات.
وأصبح هناك حائل بينه وبين التفكر والذكر وعبادة الله عز وجل، فجاء الصوم وحرر المؤمن من تأثير الغرائز والشهوات وأدى إلى تقوية الروح ليسمو بها إلى الأفق الأعلى ويعود نفسه على طاعة الله عز وجل والفوز برضاه وعفوه ونيل مغفرته.
والصوم يؤدي بالمسلم إلى الارتقاء والسمو والعلو في كل معاملاته مع الآخرين، فهناك مظاهر للصوم من خلالها يمكن القول إن الصيام أثر في المسلم وغير كثير من أفعاله إلى الأفضل والأحسن
.
فالصوم عبادة روحية وجسدية وإذا كان الصوم خالصاً لوجه الله تعالى تحققت أهداف الصوم وتوافرت أركانه وصام المسلم نهاره وقام ليله وناجى ربه ونهى نفسه عن كل الشهوات والملذات من أجل رضاء ربه فإن الله عز وجل يغفر له ذنوبه فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه».
