شرع الحق سبحانه وتعالى الصوم لتقوية النفس الإنسانية وتزويدها بقوة أو بملكة روحانية تسمى الضمير الذي يمثل المركز الأساس لجميع الأحاسيس الداخلية في نفس الإنسان.

والحق أن الضمير ليس قوة فطرية معصومة بطبيعتها، بل هو متأرجح، ومتقلب ويتشكل بحسب ما يتغذى به من ثقافة وبيئة ويكفي الصوم أثراً في تهذيب الضمير وتشكيله لما فيه سعادة المسلم الذي ينتهز فرصة شهر رمضان ويكثر من قراءة القرآن ومجالسة العلماء الذين يعملون على توسيع مدارك الصائم بالعلم الذي ينير له الدرب ويجعله دائماً على الجادة الموصلة لمرضاة ربنا.

وإن اختلاف البيئة والثقافة بالنسبة للفرد لتجعل ضمير الإنسان يختلف أيضاً باختلاف الكتب التي تمده بالثقافة العقلية أو التهذيب الروحي.

فشهر رمضان له طبيعة خاصة بين الشهور تساعد في تنمية الجانب الروحي في الإنسان من خلال ما يقرأه أو ما يسمعه أو من خلال تعامله مع من يخالطهم ويلازمهم في حياته كالأصدقاء وغيرهم، فإن هذه الروافد خيِّرة انعكس ذلك على ضمير الإنسان وصار صاحب ضمير يقظ لا يميل نحو الهوى أو المنفعة الخاصة، وسيطر على سلوك الإنسان وهذّب من طباعه وأخلاقه وبهذا يكون الصوم قد أدى دوراً فاعلاً في تربية الضمير.

والحق سبحانه وتعالى ينبهنا في آية الصوم من سورة البقرة أن الغاية من الصوم هي التقوى، فقال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون».

وعندما يتصف المسلم بصفة التقوى، أو عندما يصل الصوم بالإنسان إلى هذه الغاية تجده يميل دائماً إلى عمل الخير ويبتعد عن الشر أو ارتكاب ما يغضب المولى عز وجل، ولا شك أن الإنسان الخيِّر هو الذي يشعر براحة نفسية وسعادة حقيقية عندما يدخل السرور على الآخرين في رمضان وفي غير رمضان وهذا شيء إيجابي. وإذا سوَّلت النفس الأمّارة بالسوء للإنسان وارتكب المعصية ولم يجد وازعاً يردعه كان ضميره سلبياً.

وإذا امتلأ قلب الإنسان بأنوار الإيمان وغمره شعور بالخوف من عقاب الله والرجاء في ثوابه سبحانه، فإن أعضاء الإنسان تستجيب لهذا النداء الإيماني، فلا يصدر عنها إلا الخير.

إن الدين الإسلامي بتعاليمه وهديه هو الذي يوقظ الضمير ويرشده إلى ما فيه صلاح الإنسان وسعادته، وبالعلم والعمل يتربى الضمير الإيجابي في الإنسان وإلا انطبق عليه قول الحق سبحانه وتعالى:«أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ». (الجاثية 23)

الضمير الحي هو الذي يكون رقيباً على النفس، فلا يجعلها تحيد عن الصواب، والصوم هو الذي يكون هذا الرقيب الداخلي، الصوم سر بين العبد وربه، وكل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لله سبحانه وتعالى وهو الذي يجزي به، ولا ريب في أن الكريم سبحانه وتعالى إذا تولى العطاء بنفسه كان هذا العطاء عظيماً، والصائمون المخلصون لله تعالى في صيامهم سيوفون أجورهم يوم القيامة بغير حساب.

جاء في رواية لابن خزيمة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به، الصيام جنة، والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه.

ولا سعادة للفرد أو الجماعة إلا بالتمسك بالإسلام وبمبادئه والسير في الطريق الذي رسمه.

قال تعالى: ـ «قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم». (المائدة 15و 16).

المسلم الذي يتمتع بضمير يقظ منعه من التفكير في الشرور ويجعله يقبل دائماً على فعل الخير ويكون قد وصل بنفسه إلى حد التزكية، قال تعالى: ـ «قد أفلح من زكاها وقد خاب من دسَّاها»، وصلاح الظاهر مرتبط بصلاح الباطن لذا وجب الاهتمام والعناية بصلاح الباطن، وقد بيّن المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه أن صلاح الجوارح والأعمال المرتبطة بها، رهن بصلاح القلوب قال تعالى: « وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ» (الأنعام 11)

ولاضطلاع رسول الله صلى الله عليه وسلم على عجيب صنع الله تعالى في عجائب القلب وتقلبه كان كثيراً ما يقول يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك، وقالوا أو تخاف يا رسول الله! قال: وما يؤمنني والقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، وفي لفظ آخر إن شاء أن يقيمه إقامة، وإن شاء أن يزيغه أزاغه.

والقلب الذي عُمِّر بالتقوى يمتلئ بخواطر الخير، فينصرف العقل إلى التفكير فيما خطر له.

قال تعالى: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى» (الليل 5)

هذا القلب يشرف عليه نور الإيمان فيصير معموراً بالمنجيات كالشكر والصبر والخوف والرجاء والمحبة والرضا والشوق والتوكل والتفكّر والمحاسبة وغير ذلك، وهذا هو القلب المطمئن بذكر الله.

قال تعالى: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب». (الرعد 28)

ومن أعظم سُننِه صلى الله عليه وسلم طهارة القلوب من الغش والحسد وسائر العيوب وهو من أعظم العبادات والقربات، وبها ينال أرفع الدرجات، والدليل عليه ما رواه الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأنس رضي الله عنه: يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غشٌ لأحد فافعل، ثم قال: يا بني وذلك عن سنتي، ومن أحب سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي يوم القيامة في الجنة.

* وفي ختام اللقاء... دعاء ورجاء:

ـ اللهم اجعلنا في شهر رمضان من أوليائك وأصفيائك الذين رضيت عنهم، ورفعت درجتهم وأكرمتهم بكرمك فكانوا من السعداء الناجين، يا أرحم الراحمين، يا نور النور، توجهنا إليك وقد هامت القلوب وجداً بحبك، ونحن نعلم أن التوجه نحوك بالقلب فضل وعزٌ، فتلطّف يا رب بحالنا وأعنا على طاعتك، وإذا عثرنا فأغثنا وإذا سهرنا فارددنا حتى لا نضل ولا نخزى، إنك على كل شيء قدير.

ـ اللهم اجعلني من عمّار مساجدك، وممن يناجيك بالليل والنهار، ومن الذين هم في صلاتهم خاشعون وعن اللغو معرضون وللزكاة مؤدون، وبفروجهم حافظون، الله أهدنا في هذا الشهر لصالح الأعمال واقض لي فيه من الحوائج والآمال ووفقني فيه لتلاوة القرآن إنك على كل شيء قدير.

اللهم ارزقني فواتح الخير وخواتيمه، واصرف عني دواعي الشر من الإنس والجن، يا من هو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير، يا الله، يا ذا الجلال والإكرام.