عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال:«يدخل أهل الجنة الجنة ويدخل أهل النار النار» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقول الله تعالى:

«انظروا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا او الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تروها تخرج صفراء ملتوية» صدق الله العظيم

هذه رحمة الله على عباده فكل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله خالصا مخلصا من قلبه دخل الجنة ولكن المعاصي والذنوب والآثام يطهر الله العبد يوم القيامة بان يمكث في النار يوماً أو يومين جراء تلك المعاصي وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون».

صدق الله العظيم

وبعد ما يطهر في النار يأمر الله عز وجل الملائكة الكرام بأن يدخل الجنة فيلقى في نهر الحيا أو الحياة فيعاد مرة ثانية بتحسين خلقه وصدق الله إذ يقول «والتين الزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين» هذا القسم الطويل بعده «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم» فتحسين الخلق يكون في الآخرة والله خلق الإنسان وأنعم عليه في هذه الدنيا وجعله السيد وكل المخلوقات في خدمته فأين خدمت؛ أيها الإنسان المغرور؟

ان الله يقول: «وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون «فالخلائق في خدمتك فيجب ان تكون أنت لله الواحد القهار حتى تدخل الجنة مع الابرار.

الصورة في هذا النص مبنية على الاستعارة الفعلية «ينبتون» وفيها اسناد الإنبات إلى الادمى وهي صورة نامية إلى الأعلى صورة النبتة التي كانت بفضل الاستعارة والأعلى يرمز إلى الخير وقد أكد البيان النبوي هذه الاستعارة باستحضار المشبه به بحسيته المقنعة الزائدة في الإيحاء بقوله «ألم تروها تخرج صفراء ملتوية» وذلك الالتواء يكون بعد كثرة النماء وزيادة الغذاء.

وتأتي هذه النبتة الصفراء التي تريح البصر في اللوحة مقابلة للصورة اللونية السوداء التي اكتسى بها الخارجون من نار جهنم وكأنهم (حمم) فجاءت النبتة في الصيغة الفعلية لتقابل الأسود بالاصفر البهيج بل تتسع شيئا فشيئا كما يوحي زمن المضارعة.

وهذا يفيد ان الرحمة الربانية مقدمة على العقاب وكذلك تقع على تقابل وانسجام لوني وعلى تقابل الحار المقرون بالحمم والبارد المقرون بنهر الحياة وعلى تقابل الحركي المتحرك الثابت بالسكونى الجامد «الحمم» ولاشك ان المتحرك يستلفت النظر أكثر من الجامد إذا تعارضا.

وهذا التفصيل في المشبه به كان لنا أعانه على تذوق الصورة وسكب الجزئيات على المشبه كما ان الحركة في ينبتون بصيغة المضارع كانت للدلالة على الاستمرار وهذا الاستمرار يفيد كبر الحجم شيئا فشيئا كما ذكرنا فنجد ان الأسود يتوارى عن الأنظار في اللوحة ويظهر الأصغر متقدما نحو البصر ففي هذه الصورة امتداد نحو الأعلى في الحجم والشكل واللون.

ان الصحابة قد لاحظوا عناية النبي صلى الله عليه وسلم بموجودات الطبيعة وإدراكه جزئيات مما لا يعرفون فعندما سمع أحد الجالسين تشبيه الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله هذا قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان بالبادية .

وفي سؤاله ألم تروها كيف تخرج صفراء ملتوية تأكيد للتشبيه وملاحظة الرجل وإعجابه بما ضربه الرسول صلى الله عليه وسلم مثلا لحال هؤلاء الجهنميين يزيد التشبيه قوة لشهادة من يقف معنى هذا التمثيل فيعجب به ان يكون مقربا لأمر غيبي وبهذه الصورة الحاضرة الشاخصة امام الناس.

والمشاكلة واضحة بين ثبات حجم البقلة الصغيرة وضآلة الإيمان في صدورهم هذه الحبة قبل ان تطرأ عليها أطوار الحياة النباتية كذلك تتضح المشاكلة بين خروجهم التدريجي والنبات المتنامي فالكثير يقابل القليل والمتحرك الحيوي يقابل الجامد وهذا من تجليات الفيض الرباني.

وهي حبة نبتت في القلوب لم تتوافر لها مقومات الحياة ولم ترو بالعمل الصالح لتنتعش لذلك فهي منكمشة على ذاتها صلبة قاسية سوداء كطبائع المقصرين وأخلاقياتهم والحبة تقبع بجانب السيل خشية الانزلاق والثبات ليس بجذر ضعيف تعبث به أصابع المياه (إنما الثبات بإرادة الرحمن) واللون الأصفر والالتواء دليل شذوذ في النمو أو دليل مرض ونقص في التكوين ومقومات الحياة متوافرة بكثرة غير ان السوء في الحبة ذاتها فهذه الحبة دستها السنون وهي تطبق جفنها على حياة كامنة فيها أخذت الخيرية تذوى فيها حتى ما بقي فيها إلا ما يجعلها صفراء ملتوية ان نبتت فقدت جمال المظهر وكمال العطاء .

وهي فوق ذلك تتطفل في نموها في جانب السيل وترمز إلى قصور في الاستفادة من مقومات الحياة كل هذه الجزيئات تجسم حال من غفر لهم آخر الناس وأخرجوا من جهنم والمرتكز الفني استعارة يتبعها تشبيه توضيحي. «ينبتون كما تنبت الحبة» قدم فسحه من الخيال ومشهداً آخر يرسم خروجهم من نهر الحياة أو الحيا بمعنى المطر وفي الصورة انقشاع للسواد وظهور للبياض المشرب بالصفرة.

اللهم بيض وجوهنا يوم القيامة «يوم تبيض وجوه وتسود وجوه» واجعلنا من الذاكرين الشاكرين انك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.