يقول الله تعالى: «يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز».
(الحج: 74-73). نداء عام للناس، خوطب به مشركو مكة المعاصرون للرسالة الإسلامية أن يلتفتوا إلى المثل الذي ضرب، وأن يستمعوا له، حتى يتبينوا ضلال عقيدتهم، وخطأ تصرفهم، فهذه الأوثان التي يدعونها من دون الله، يضفون عليها مسحة الألوهية ليس في استطاعتها أن تخلق أحقر حشرة وهي الذبابة.
ولو تجمع عابدو الأوثان لمساعدة أوثانهم أن تخلق ذباباً، ليس في إمكانهم، بل بلغ بهم الضعف والهوان، أن الذباب لو حمل شيئاً فليس في استطاعتهم أن يستخلصوه منه، وأن يأخذوه منه، فالآلهة ضعيفة وذليلة وعابدوها عاجزون، فكيف تستنقذ، فضلاً عن أن تخلق.
إن هذا المثل يتحدي الناس جميعاً منذ أن خلقوا وإلى يوم البعث، أن يخلقوا مثل هذا المخلوق الضعيف، بل أن يستردوا منه ما أخذه وما حمله، فالطالب ضعيف والمطلوب كذلك، فكيف يلغي الإنسان عقله؟ ويعبد ما لا يملك، وما لا يضر ولا ينفع.
ومن هو عاجز في منتهي العجز عن عابده، لقد ضل سعي هؤلاء وخاب، لأنهم لم يقدروا الله حق قدره، وهو القوي العزيز. إن العالم اليوم بلغ من التقدم العلمي شأناً كبيراً، فقد صنع سفينة الفضاء، وتوصل إلى القمر، ومن قبل هذا الطائرات، وأجهزة الإذاعات من مسموعة ومرئية، إلى غير هذا من الآلات والمخترعات، ولكنه أمام صفة الخلق عاجز تمام العجز، فهؤلاء المخترعون والمكتشفون.
والذين وصلوا إلى الذروة والسنام في التفوق العلمي، يستحيل عليهم أن يخلقوا ذباباً، وهو من الحشرات الضئيلة الحقيرة، فالمثل يتحدى وإلى قيام الساعة، أن يخلق، بل أن يسترد ما أخذه الذباب، أين العلماء الذين يتشدقون بعلمهم المادي؟ وأين المخترعون؟
إذا كنتم تظنون في أنفسكم القدرة والخلق والإيجاد، فهذا هو الذباب، لا نقول لكم اخلقوا مثله، بل نردد ما ذكره القرآن من أسلوب، يفضح تضاؤل الإنسان عجزه أمام خلق الله، بل أمام استرداد ما أخذه الذباب إنه مثل التحدي الأعظم القائم إلى يوم القيامة يبين عجز الإنسان قبل عجز الأوثان..
وطريق الكفار طريق فاسد، غير واضح، فلا منطق ولا عقل، ولا فهم ولا وعي، فالذي يعبد العاجز الذي لا يملك لنفسه فضلاً أن يملك لغيره، يتخبط في الظلمات، ويهوي إلى المفازات، يحدثنا عن عقلية الكفار وطريقهم الفاسد الشيخ عبدالمتعال الصعيدي فيقول بعد أن شرح أسلوب القرآن في بيان طريق الكفار الفاسد.
ووعد الله لهم بالمصير السيئ فذكر أنهم يعبدون من دونه ما لا دليل لهم عليه من نقل أو عقل، وينكرون ما يتلي عليهم من الأدلة الواضحة على أنه لا شريك له، ثم ذكر من ذلك مثلاً ضربه لهم، وهو أن الذين يدعونهم من دونه لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه، ومن يكون أضعف من الذباب لا يمكن أن يكون إلها.
وقد كان ضرب هذا المثل مثار استغراب من المشركين وغيرهم، وقالوا: كيف يضرب الله الأمثال بالشيء الحقير؟ فكان الرد عليهم في قوله تعالى: «إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها». ونظرتهم إلى المثل الذي ضرب فيه الذباب مثلاً على أنه مستبعد على الله أن يضرب المثل بذلك، جاءت من نظرتهم إلى الذباب على أنه ضعيف.
وغاب عن ذهنهم أن الله عز وجل يريد أن يضرب المثل بالضعف، فكيف يستنكرون أن يضرب الله المثل به، فهو قياس فيه خطأ، فالله عز وجل يريد أن يبين ضعف الآلهة التي يعبدونها وعجزها، فيختار ما يؤدي الصورة المطلوبة، ولكن غفلتهم وبلادتهم، دفعتهم إلى الإنكار، وهناك فرق بين المثل به والغرض من المثل، يوضحه لنا الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي فيقول:
الغرض من المثل توهين العابد والمعبود من دون الله.. إذن فما دام الغرض هو التوهين، فكما ضرب المثل بالأضعف كان هو الأقوي في البيان. ثم يوضح أن الذين أنكروا المثل لوجود لفظ الذباب لم يفهموا لماذا ضرب المثل. ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في هذا المثل:
وفي هذا المثل تحد للبشرية كلها.. ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول لهم: إنكم وما تدعون من دون الله من آلهة أو من علم أرضي لن تخلقوا الذباب الذي تعتبرونه مخلوقاً تافهاً.. ولو اجتمعتم جميعاً..
ولقد كان هذا المثل في الماضي تحدياً بأن ما يشرك به الناس من أصنام وآلهة مزيفة عاجزة عن أن تخلق الحياة في أتفه الأشياء بالنسبة لنظرتهم على الأقل، فهي لا تستطيع أن تهب الحياة لأحد ولو للذبابة.. ثم يتقدم الزمن وتتقدم الحضارات والعلوم والاختراعات.. ويصل الإنسان إلى القمر.. وقد يصل إلى المريخ والزهرة..
ويأتي العلم كل يوم باختراع مذهل لا تصدقه العقول.. وتسمع من يقول لك: لقد انتهي عصر الإيمان وبدأ عصر العلم.. وترد أنت عليهم بهذا المثل إن الله قد تحداكم أن تخلقوا الحياة.. ولم يتحداكم بأن تخلقوا كوناً مثل الكون الذي خلقه الله سبحانه وتعإلى.. ولا شمساً تضيء ملايين السنين ولا نحوماً ولا قمراً.
ثم استعرض المظاهر الكونية والنعم الإلهية والإنسان كل هذا لم يتحدهم به الله، ويقول: ولكنه تحداكم أن تخلقوا ذبابة وتحداكم من أجل أن تجتمعوا من أجل ذلك، وقال: إنكم حتى لو اجتمعتم لن تفلحوا.. وكان التحدي للناس جميعاً على إطلاقهم، ثم وضح أن الله تعالى هو الذي أوصل الإنسان إلى هذا العلم فكشف له عن أسراره حتى وصل إلى ما وصل، ولكنه حجب عنكم العلم الذي تحداكم فيه..
وهو خلق المادة الحية أو خلق ذبابة. ثم بين أن الله عندما يأمرنا بأن نستمع إلى هذا المثل لا يقصد عصراً بعينه، وإنما معناه أن نستمع لهذا المثل في كل عصر وحتى قيام الساعة.. أي أنه لن يأتي عصر يستطيع الإنسان أن يخلق ذبابة مهما تقدم به العلم ومهما إرتقي. و يقول: وحتى هذه اللحظة لم يستطع علماء الدنيا كلها ولا معامل الدنيا كلها.. ولا أبحاث الدنيا كلها أن تخلق جناح ذبابة..
أو حتى خلية للمادة الحية. يشير إلى أنه في هذه الآية إعجازاً كبيراً لأن الله يعلم أنه سيأتي بعض الناس بعد ألوف السنين ليقولوا: «انتهي عصر الإيمان وبدأ عصر العلم» .. فرد الله سبحانه وتعالى عليهم قبل أن يقولوها، وقد أشار إلى هذا المعني محمد إسماعيل إبراهيم في كتابه «القرآن والإعجاز العلمي».
ويستمر الشعراوي : ثم يمضي الله في تحقير الكافرين والمنافقين ويقول لهم: ربما كانت مسألة الذبابة هذه صعبة عليكم.. ولذلك فسأيسرها لكم إذا أخذ الذباب منكم شيئاً فاستعيدوه منه.. ثم يزيد الله في التحدي فيقول: وحتى هذا لن تستطيعوه «وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه»، أي أن الله سبحانه وتعالى نزل بالتحدي من مرحلة الخلق إلى مرحلة استعادة ما يسلبه الذباب.
. وقال: حتى هذه لن تستطيعوها. ويواصل الشيخ الشعراوي حديثه: إن الله طلب منهم شيئاً ضعيفاً وعجزوا عن مقابلة هذا التحدي، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله ضعف الطالب والمطلوب. وفي هذا المعني تقول الراحلة د. « عائشة عبدالرحمن بنت الشاطيء»:
ولقد مضي على الناس منذ ضرب لهم كتاب الإسلام هذا المثل، نحو أربعة عشر قرناً من الزمان ارتاد فيها الإنسان من مجهول الآفاق ما ارتاد، وتابع نضاله الباهر العجيب في كشف ألغاز الوجود وأسرار الكون إلى أن غزا الفضاء وأوشك أن يهبط على القمر.
وقد قدمت بنت الشاطئ لهذا المثل بقولها: ثم نزلت آية الحج المدنية، فضربت للناس المثل الصادع، وساقت البرهان المفحم،: «يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب». ويشير ابن قتيبة:
وقوله: «يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له»، ثم قال: «إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له»، ولم يأت بالمثل لأن في الكلام معناه، كأنه قال: يا أيها الناس، مثلكم مثل من عبد آلهة اجتمعت لأن تخلق ذباباً فلم تقدر عليه، وسلبها الذباب شيئاً فلم تستنقذه منه. والزمخشري يورد اعتراضاً آخر فيقول: فإن قلت: الذي جاء ليس بمثل فكيف سماه مثلاً؟ يجيب الزمخشري عن هذا بقوله:
قد سميت الصفة أو القصة الرائعة، المتلقاة بالاستحسان والاستغراب مثلاً تشبيهاً لها ببعض الأمثال المسيرة، لكونها مستحسنة مستغربة عندهم، أجاب الخازن على هذا السؤال بإجابة والزمخشري غير أنه أضاف إليها جواباً آخر: لما كان المثل في الأكثر نكتة عجيبة غريبة جاز أن يسمي كل كلام كان كذلك مثلاً. ويورد الطبري في هذا المعني فيقول: قال الأخفش: إن قيل: فأين المثل الذي ذكر الله في قوله: «ضرب مثل»؟
قيل: ليس ها هنا مثل والمعني أن الله قال: ضرب لي مثل، أي شبه في الأوثان، ثم قال: فاستمعوا لهذا المثل الذي جعلوه مثلي. وقال القتيبي: ها هنا مثل لأنه ضرب مثل هؤلاء الذين يعبدون الأصنام بمن عبد من لا يخلق ذباباً، وقيل معناه:
أثبت حديثاً يتعجب منه، فاستمعوا له لتقفوا على جهل الكفار، من قولك ضربت خيمة، أي نصبتها وأثبتها، وقيل معناه: جعل ذلك كالشيء اللازم الثابت من قولك ضرب السلطان الجزية على أهل الذمة. والتمثيل الذي جاء في الآية غريب لم يسبق، وطريف في بابه، فقد حوي معني لم يسبق إليه أحد، ولم يتبع فيه، وقد ذكره ابن أبي الإصبع في باب «سلامة الاختراع من الاتباع»، وقال عنه:
وهو أن يخترع الأول معني لم يسبق إليه ولم يتبع فيه، ثم ذكر مثلاً لهذا وهو قوله تعالى: «إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا». ثم أتبعها بقوله: فانظر إلى غرابة هذا التمثيل، الذي تضمن الإفراط في المبالغة مع كونها جارية على الحق، خارجة مخرج الصدق.
وذلك حين اقتصر سبحانه على ذكر أضعف المخلوقات وأقلها سلباً لما تسلبه، وتعجيز كل من دونه سبحانه كائناً من كان عن خلق مثله مع التضافر والاجتماع، ثم نزل في التمثيل عن رتبة الخلق، إذ هما مما يعجز عن مثلهما كل قادر غير الله عز وجل إلى استنقاذ النذر التفه الذي يسلبه هذا الخلق الضعيف على ضعفه.
ويعجز كل قادر من المخلوقين عن استنقاذه منه، فتنقل في النزول في التمثيل على ما تقتضيه البلاغة على الترتيب في هذا المكان، لما علم سبحانه أنه لا مبالغة في تعجيزهم عن الخلق والاختراع، الذي لا يدعيه جبار ولا يتعاطاه من المخلوقين أحد، وإن أوتي قدرة وأعطي قوة.
وكان فيه من التعالي في الكفر والجهل ما يدعي معه الإلهية وينتحل الربوبية، فتزل بهم إلى استنقاذ ما يسلبه هذا المخلوق الضعيف على ضعفه وقوتهم ليريهم عجزهم فتستيقنه نفوسهم، وإن لم تقربه ألسنتهم، فجاء بما يقضي الظاهر أنه أيسر من الخلق وهو في الحقيقة مثله في العسر، فإن الظفر بنفس هذا المخلوق أيسر من الظفر بما يسلبه، فاستنقاذ ما يسلبه في العجز عنه مثل خلقه، ثم ختم كلامه بقوله: ولم يسمع مثل هذا التمثيل في بابه لأحد قبل نزول القرآن العزيز.