القاعدة التي يوشك الجميع على التسليم بها سواء في مراجع العمارة الإسلاميةأو على ارض الواقع، تشير بوضوح إلى أن التجديد في العمارة في السياق المسجدي غالبا ما يطل من آفاق تلك المناطق من العالم الإسلامي التي تعرف تقليديا باسم ارض التخوم.
ومحاولات التجديد في هذا السياق عديدة، على سبيل المثال، في دول البلقان، وابرز هذه المساجد ذات المنحى التجديدي، وهو مسجد شريف الأبيض، يطل في شكل قطيعة واضحة وصريحة مع تقاليد الماضي البصرية من آفاق فيسوكو في البوسنة . وهناك أيضاً مسجد المركز الاسلامي في زغرب بكرواتيا، وهو يعد من عيون الإبداع التجريدي في العمارة المسجدية. والأمثلة على هذه القاعدة عديدة، وقد لا يتسع لها المجال هنا، ولكن من المهم أن نشير إلى نقطة جديرة بالتوقف عندها وتأملها طويلا.
الإمارات ارض تخوم، بهذا المعنى، فمن سواحلها وسواحل شقيقاتها المجاورة لها على ساحل الخليج وبحر العرب والمحيط الهندي انطلق المسلمون ليحملوا راية الاسلام عالية إلى شرق افريقيا ، وليخوضوا العباب الأزرق ، فيجعلوا المحيط الهندي بحيرة إسلامية بالمعنى الصحيح .على الرغم من ذلك، فإنك لا تجد في العمارة على امتداد الإمارات، في سياقها المسجدي، أي نزوع حداثي على الإطلاق. والاستثناء الوحيد الذي يحضرني الآن في هذا الصدد هو مسجد محمد بن مدية في قلب ديرة بدبي.والسؤال الآن هو: لماذا؟ وما السر في هذا الاختفاء الكلي تقريبا للنزوع الحداثي في العمارة المسجدية بالإمارات؟ كيف يتفق هذا مع النماذج التي لا حصر لها للعمارة الحداثية الجريئة المنتشرة بقوة على امتداد مدن الإمارات؟
لست ادري كيف تمكن الإجابة عن هذه الأسئلة - بأمانة وصدق - وليت من يدري يوضح لنا جلية الأمر.
في غضون ذلك لا نملك إلا التوقف عند ما يمكن أن نسميه بالإيماءة الحداثية في بعض ملامح مسجد أبي بكر الصديق بالفجيرة.
المكونات الأساسية للصورة التقليدية للمسجد موجودة هنا، ولكن تأمل مئذنتي المسجد اللتين تؤطران كتلته القوية وقبته الجديرة بالوقوف عندها، وستلحظ نزوعا غير مألوف في مساجد الإمارات إلى التجديد، ولست أريد المبالغة بالقول انهما ترددان أصداء مئذنة مسجد المركز الإسلامي في زغرب.
يلفت نظري أن بدن المئذنتين لدى نهوضهما من القاعدة يتحول إلى جزء مستدق كلما علا، وتشغل غالبية مساحة جدرانه الخارجية عقود منفذة بالزجاج، وانطلاقا من قاعدة تعلو هذا الجزء تنهض كل مئذنة في صورة كيان اسطواني تزنره شرفتان، وينتهي بقمة مستدقة، تحاكي قمم المساجد العثمانية. وتلفت النظر أيضا القباب الحدوية المنورية المجردة من اي زخارف، والتي تميل إلى الصغر النسبي، مقارنة بأمثلة بيت الصلاة والمئذنتين على السواء.
غير أن هذه الإيماءة الحداثية، تظل كذلك فحسب، أي تبقى مجرد إيماءة، فليست هناك قطيعة مع تقاليد الماضي البصرية، التي نجدها بجرأة في مسجد المركز الإسلامي بزغرب، والتي نعرف إلى أي حد قطعت الشوط كاملا في مسجد شريف الأبيض بالبوسنة وغيرهما من مساجد العالم.
من يدري، ربما تكون هذه الإيماءة وعدا بمساهمات أخرى حداثية في السياق المسجدي على أرض الإمارات!


