يبقى السؤال مطروحاً عن سر تسرع الإنسان وتلهفه على انقضاء الأيام ورغبته الملحة في مرورها؟

أعتقد أن الإنسان بصدد عالمين، عالم مرئي، وعالم مستور.

الأول، مرئي مشاهد، يراه الإنسان بحواسه، ويعيش فيه بكيانه، ويتحرك فيه بكل ما أوتي من قوة، وما منح من طاقة، وما يملك من فكر، وفي اللحظة ذاتها التي يعيش فيها، وتتكشف أمامه أسرار هذا العالم المرئي الظاهر له ويعرف ما قدر له.

ويقرأ مجريات الأحداث على تقلبها، سواء جلبت له الخير أو الشر، أو حملت له المسرات أو الأحزان، هذه اللحظة أصبحت مرئية ظاهرة، فتشت أسرارها، وفكت ألغازها، وضاعت سحرها، سحر الغموض، وحب المغامرة في كشف الأستار المسبلة، صارت اللحظة، كتاباً مفتوحاً، قضت مغاليقه، وعرف مضمونه واستوعبت أفكاره.

عند هذه النقطة، أو عند هذا الموقف تتوجه طاقة الإنسان الكامنة داخله للبحث عن حقيقة العالم المستور، يستفزه الدافع الحقيقي الثاوي في أعماقه، هو حبه لاكتشاف المجهول، وسبر أغوار المستقبل والسباحة ضد التيار، أقول عند هذه اللحظة، يتجاوز هذا العالم المرئي، الذي خر وقائعه.

وتذوق لحظاته ونعم بآناته، إلى العالم المستور الحقيقي يرجع إلى خوف الإنسان من المجهول، وحبه لاستجلاء أسراره وكشف ما هو مضمر له، وتعجله يرجع إلى هذا الخوف، وكلما قلب صفحة من صفحات كتاب عمره، تعجل لكي يقرأ الصفحة الموالية لها، وهكذا.

هو في عجلة واضحة، وسرعة شديدة، وتلهف على معرفة الغيب حتى يصل إلى نهاية الطريق، وخاتمة المطاف، وتصل شمسه إلى رأس الحائط كما يقول أبو حيان التوحيدي، فلا يجد أحداً ينتظره إلا الموت بكل أسراره، ولا يبقى له من كل هذه الرحلة الطويلة العريضة إلا أعماله الطيبة.

وخدماته النبيلة للمجتمع والوطن، ونواياه الحسنة وإيمانه القوي، لقد تبخر كل شيء مع من تبخر، وأصبح العمر كالسراب مجرد حكايات، وذكريات مبهمة، وضباب تفرق في الفضاء.

ولم يبق له، وهو يشد الرحال إلى الرحلة الأخيرة إلا أرحم الراحمين فيقف أمام رب العالمين فيجازيه على أعماله، ويكافئه على إيمانه وما ربك بظلام للعبيد.