من الملاحظات التي سجلتها خلال دراستي للحديث الشريف، والسيرة النبوية المطهرة، والتي استوقفتني طويلاً للتأمل والتحليل في منهج الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أرساه بدقة بالغة لتربية أصحابه، ما توصلت إليه كنتيجة مفادها أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع منهجه التربوي في غاية الدقة والإبداع.
مركزاً على قاعدة تبين سبل تعامل الصحابة مع رسولهم صلى الله عليه وسلم من خلال التمييز والتفريق بين شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يتكلم بالوحي، وبين شخصيته عندما يتكلم بلسان بشر والملاحظ أن الجانب الأول الذي يتصل بشخصية الرسول عندما يتكلم بالوحي فهو أمر ملزم وموجب لتنفيذ الأوامر واجتناب النواهي، ودور الناس في هذا الجانب يتلخص في الانصياع الكامل لأوامر الله ورسوله، وهذا الأمر فهمه الصحابة من خلال القرآن والسنة، فقد قال تعالى:
(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)، النساء 65 وقوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ..) الأحزاب 36 وقوله تعالى: «من يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا». النساء 80.
وأما الجانب الثاني الذي يتعلق بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يتكلم بلسان بشر، فهذا أمر في غاية الأهمية والخطورة، الملاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح في هذا الجانب مجالاً واسعاً أمام أصحابه لتبادل الآراء والمناقشة والأخذ والرد، وهذه إشارة هامة جداً لأنها تمثل منهجاً بذاته يجب علينا فهمه وتعميمه على الناس أو إظهاره كفكر إسلامي أصيل، يتصل بشكل وثيق بالحياة السياسية في الإسلام.
ومن ثم نستطيع من خلاله تحديد سلطة الحاكم فيما يجب على الرعية طاعته، وفيما يجوز لهم فيه الأخذ عنه أو الترك، وهذا الاستنتاج يفتح أمام الشعوب أفقاً رحباً. مما يُطلق عليه اليوم حرية إبداء الرأي أو (الديمقراطية) التي أصبحت لوناً من ألوان كرامة الإنسان، ومقياساً لرقيه وحضارته.
وهذا المنهج طبقه النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الكرام، والأمثلة على ذلك كثيرة اكتفي بعرض ثلاثة منها وبإيجاز شديد. 1 ـ في غزوة بدر عندما وصل جيش المسلمين إلى أدنى ماء من مياه بدر أمر النبي صلى الله عليه وسلم جيشه بالنزول، فقام الحباب بن المنذر وهو خبير عسكري وقال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة قال:
يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم ـ قريش ـ فننزله ونغوّر ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أشرت بالرأي» والمثال الثاني:
لما اجتمع الأحزاب على المدينة أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصالح عينية بن حصن، والحارث بن عوف رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة حتى ينصرفا بقومهما عن قتال المسلمين، واستشار النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقالا: يا رسول الله: إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً وطاعة، وإن كان شيئا تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه .. بل إن الرسول.
صلى الله عليه وسلم، شفع يوماً لمغيث زوج بريرة، كما روى ذلك البخاري عن ابن عباس قال: «كان زوج بريرة عبداً أسود يقال له مُغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها في سكك المدينة، يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: «يا عباس، ألا تعجب من حبّ مُغيث بريرة. ومن بعض بريرة فغيثاً؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم، لبريرة: «لو راجعته» فقالت: يا رسول الله تأمرني؟
قال: «إنما أشفع» قالت: لا حاجة لي فيه». فهذه الأمثلة وغيرها كثير يبين لنا منهج النبي في تربية أصحابه حيث ألزمهم بما يتصل بالوحي، إلزاماً مطلقاً، وأما الآراء البشرية ففتح أمامها باب القبول والردّ ليعلم المسلمين أن طاعة الحاكم (وأولياء الأمور) كالآباء وغيرهم ليست مطلقة، وأن في الأمر سعة يمكن للآراء ان تتلاقح ليكون هناك الإبداع الذي ينشره الإسلام.
د. أبو بكر علي الصديق