يجدر بنا قبل أن نخوض في حقوق العمل والعمال التي كفلها الإسلام لما للعمل من أهمية في الدين الحنيف هذا الخوض الذي ربما يستغرق حلقات من هذه السلسلة من المقالات، يجدر أن نتعرف على ماهية العمل ماذا يقول الإسلام عنه. يقول المولى سبحانه وتعالى:
«هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور» سورة الملك:الآية 15. إذن الإسلام يعتبر العمل سعياً في الأرض وجهداً يبذل من أجل لقمة العيش الشريف لا للساعي وحده ولكن لمن يعول.
قيل إن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل المسجد فوجد رجلاً يجلس فيه وقد علم أنه منقطع للعبادة أي متفرغ له فسأله بما معناه ان كان له من يعولهم وعندما جاء جواب الرجل بالإيجاب سأله مرة أخرى عمن يتكفل بإعالتهم عنه فذكر الرجل أن أخاه يقوم بهذا الواجب، فما كان من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - إلا أن قال له:
«أخوك أعبد منك» أي يا أيها المنقطع للعبادة وتترك السعي في الرزق ظناً بأنك تضاعف الجهد في العبادة، ان أخاك الذي يعمل ويضاعف الجهد في العمل ليغطي نفقات من يعول ونفقات من تركتهم له ليعولهم هو عند الله أعظم عبادة منك. ومن هذه العبارة العمرية نستجلي قيمة العمل في الإسلام.
ومن قيم العمل انه يمتدح العاملين ويحفزهم على العمل ويذم التبطل والركون إلى المسألة، يعني التسول، وفي الأثر: الجزاء من جنس العمل ، وكم من آيات الذكر الحكيم ورد فيها ما ينتظر أصحاب العمل الصالح في مظلة الإيمان من جزاء أخروي .
وهو الجزاء الأوفى وهو الفوز العظيم، ونقول في ظل الإيمان، لأن العمل الصالح مع الكفر لا معنى له كما يخبرنا بذلك رب العالمين في قرآنه العظيم قال تعالى: «مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد» سورة إبراهيم:الآية 18.
وقال تعالى: «وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا» وبالمقابل يأتي في الآية التي تلي هذه بشأن العمل الصالح في ظل الإيمان قوله تعالى: «أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلا» سورة الفرقان .
إنها الموازنة العادلة في الدنيا والآخرة ففي الإسلام نفسه ناهيك عن الخارجين عليه، العمل والكسب الحلال غير العمل والكسب من الحرام فلا يمكن أن يكون في موازين الجزاء الدنيوي والأخروي من يتاجر تجارة حرة لا ريب فيها ولا دخن كمن يتاجر في المخدرات أو يروج لها أو في بيع الخمر .
وما إلى ذلك أو من يتعامل بالربا أو من يرث أموالاً طائلة فلا يسعى في استثمارها في الحلال ويعطي حقها المعلوم «للسائل والمحروم» وإنما يجلس متعطلاً يبعثرها باليمين والشمال في اللهو والمجون والفساد أو أحياناً في حياة والده الثري الذي يطلق له يده يعبث كيف يشاء.
تحضرني في هذه الأخيرة قصة أحد الأثرياء جداً ممن لا تحصى ولا تعد ثرواتهم لتضخمها ظل ابن له يستهتر وينفق في ملذاته الشيء الملفت للأنظار، فقال له صاحبه وهو ينصحه: إن ابنك فلاناً يفعل كذا وكذا فازجره وامنعه لأن ذلك ليس مقبولاً عند الله وتعتبر أنت شخصياً شريكاً له فيما يفعله. فما كان جواب الرجل لصاحبه إلا أن قال:
يا أخي دعه يلهو ويتمتع وإن أموالي لو أشعلت فيها النيران لا تفنى!! هكذا، ولكن الذين رووا هذه الحكاية قالوا إن ذلك الثري الذي أبطره المال وأعمى بصيرته انتهى به الأمر إلى الإفلاس نفدت أمواله التي ظن أنها لو أكلتها النيران لا تفنى.
وهكذا عاقبة البطر والطغيان مآله إلى الخسران والنماذج كثيرة في واقع الحياة لو أننا نتدبر ونتفكر وفي القصص القرآني تطالعنا قصة «إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك صوت عذاب، إن ربك بالمرصاد» الفجر: 7 ـ 14. واقرأ يا رحمك الله هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل إلى نهايتها.
في عصرنا الحديث نشاهد طغيان المال في الأرض، هذا المال الذي جعل الذين تكدس لهم يطغون ويتجبرون على المستضعفين الذين لا يقوى فريقهم على الوقوف في وجه الفريق القوي بأمواله، فرأينا كيف تدار الحروب بآلية ذوي المال فتهلك الحرث والنسل، تقتل الأطفال والعجزة والنساء وتهدم البيوت فوق رؤوس ساكينها وتشرد الآلاف من مساكنهم ولا تتوقف إلا بإشارة منهم متى ما أرادوا ذلك.
وما حق النقض في المنظمة الدولية «مجلس الأمن» الذي جعل بأيديهم يستخدمونه متى ما شاءوا إلا دليل على ذلك، مع أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن ما كانا إلا ككابح للطغيان ولكنهما الآن يستخدمان لإذلال الإنسان، وإلا فما معنى أن تستهدف آلة الحرب دكان بقال يسترزق منه أو ورشة حداد أو متجر تاجر بسيط وما إلى ذلك.
هؤلاء الذين نشاهد ونعايش طغيانهم في البلاد وتجبرهم واستبدادهم على العباد هم من الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، والحمد لله ليس ممن يسايرهم في ذلك إلا النزر اليسير ممن يوادونهم على تخوف منهم، وواجب المسلمين النصح لهؤلاء عساهم يرعوون ويثوبون إلى رشدهم.
أما الطغاة المتجبرون، فلا سبيل لردعهم والوقوف أمام تيارهم المدمر وسعيهم بالفساد في الأرض إلا بالإيمان الصادق الحق المصحوب بالعمل الصالح لتحقيق وعد الله الذي لا يخلف تعالى الله وتنزه عن ذلك للاستخلاف في الأرض .
ـ كما كان لمن قبلنا ممن آمنوا وعملوا الصالحات، وبالتالي التمكين لديننا الذي ارتضى لنا وإحلال الأمن مكان الخوف الذي يزلزل حياتنا، والشرط عبادة الله وحده لا شريك له شرحاً صغيراً كان أم كبيراً، أن نتجرد لهذه العبادة لله رب العالمين، نعبده ونستعين به في كل أمور حياتنا لا نعتمد على زيد ولا على عبيد. قال تعالى:
«وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون» سورة النور:الآية