الحكماء الذين يتمتعون بعقل راجح يعيشون أوقاتهم دائماً في رمضان وفي غير رمضان في راحة وسعادة، لأنهم خبروا الوقت وعرفوا أن من يستغله فيما هو مفيد سوف يعود عليهم بالخير الوفير والجزاء العظيم من عند رب العالمين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء.(رواه مسلم والنسائي) وزاد فما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء.
وإن أهل العقل والحكمة الذين تدبروا أحوال الدنيا وتقلبها جعلوها معبراً لآخرتهم، فأكثروا من كل عمل يسعدهم ويزيد في ميزان حسناتهم يوم القيام، لذا نراهم أخلصوا في طاعة ربهم وأدوا فرائضه واجتنبوا ما نهى عنه وبادروا بالتوبة وأكثروا من الاستغفار والدعاء، فنحن في شهر الخيرات والنفحات فيه يتجلى الله على عباده الصائمين المنيبين إليه، والمكثرين من الباقيات الصالحات برحمته. روي عن الفضيل بن عياض:
إن البيت الذي يذكر فيه اسم الله يضيء لأهل السماء كما يضيء المصباح لأهل البيت المظلم، وان البيت الذي لا يذكر فيه اسم الله تعالى يظلم لأهله كما يظلم البيت المظلم على أهله.
فالصائم الحكيم هو الذي يستفيد من شهر رمضان ويظل مشغولاً بما يجلب عليه السعادة ويجعله قرير العين. ولكي يتحقق له ذلك، عليه أن يشغل لسانه بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن ومذاكرة العلم ومصاحبة العلماء والصالحين، كما عليه ان يخرج من قلبه العداوة والحقد وحسد الإخوان لأن الحسد يمحو الحسنات.
وعليه ان لا ينظر إلى الحرام ولا إلى الدنيا بالرغبة، بل يكون نظره على وجه الاعتبار، ولا يمد يده إلى الحرام، بل يمدها إلى ما فيه طاعة الله تعالى، وأن يجعل طاعته خالصة لوجه الله.
قال بعضهم إن الإيمان أمن وطمأنينة، وان الطاعة سعادة وراحة وسلامة والصائم الحكيم هو الذي يحافظ على هذا كي، يشعر أنه في سكينة نفسية لقاء ما يقوم به من أعمال البر الموصلة إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى من خفض الجناح للخلق ولين الجانب لهم.
قال بعض الحكماء: من أصبح لزمه أمران: الأمن، والخوف فأما الأمن، فهو أن يكون آمناً بما تكفل الله له من أمر رزقه وأما الخوف، فهو أن يكون خائفاً فيما أمر به حتى يتمه، فإذا فعل هذين كرمه الله بشيئين: أحدهما القناعة بما يعطيه والثاني حلاوة طاعته.
روى عن أبي ذر رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصال من الخير: أوصاني أن لا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أنظر إلى من هو دوني، وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت وأوصاني ان لا أخاف من الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول الحق وأن كان مراً وأوصاني أن أكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة. (رواه الطبراني وابن حيان في صحيحه واللفظ له».
وتزداد سعادة أهل العقل والحكمة الذين آتاهم الله من فضله أنهم في رمضان وفي غير رمضان قد ازدادوا رفقاً بالضعفاء وحباً للمساكين ورغبة في الخير للناس أجمعين. روى عن جابر رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث من كن فيه نشر الله عليه كنفه ( أي أحاطه بحفظه) وأدخله جنته، رفق بالضعيف، وشفقة على الوالدين وإحسان إلى المملوك. (رواه الترمذي) ومن النصائح الغالية لأهل العقل والحكمة ما جاء عن أبي ذر رضي الله عنه في صحيح ابن حيان قال: كان في صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن تكون ساعات:
ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكر في صنع الله تعالى وساعة يخلو فيها الحاجة من المطعم والمشرب وأهل العقل والحكمة هم الذين يخزنون ألسنتهم فلا تنطق إلا الحق، فقد جاء في الأثر: لسان العاقل وراء قلبه فإذا أراد الكلام رجع إلى قلبه، فإن كان له تكلم وإن كان عليه أمسك، وقلب الجاهل من وراء لسانه يتكلم بكل ما عرض له.
والعاقل البصير هو الذي يعرف متى يتكلم وعن أي شيء يتكلم ولذلك قال حكيم: احبس لسانك قبل ان يطيل حبسك أو يتلف نفسك، فلا شيء أولى بطول حبس من لساني يقصر عن الصواب ويسرع إلى الجواب.
ولا شك أن الصوم يربي في الإنسان فضيلة التأني وحب الاستماع لكل ما هو مفيد، حيث اعتاد اللسان على نطق الصواب وهجر الكلام البذئ، فتشعر نفسه بتحلية بطاعة الله ويقول بلسانه ليكون أوعى إلى اجتناب ما يخالف صومه.
روى عن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم، إني صائم «رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما وقال صحيح على شرط مسلم».
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر.
فالمسلم الموفق هو الذي لا ينشغل عن عبادته بأحوال الدنيا ويحرم نفسه في هذا الشهر الكريم من الإخلاص في الطاعة والتفرغ لمناجاة الخالق سبحانه وتعالى.
روى عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أشرب حب الدنيا التاط منها بثلاث. شقاء لا ينفد عناه، وحرص لا يبلغ غناه، وأمل لا تبلغ منتهاه، فالدنيا طالبة ومطلوبة فمن طلب الدنيا طلبته الآخرة حتى يدركه الموت فيأخذه، ومن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي رزقه.
قال تعالى: «فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون». (الشورى 36)
الإنسان العاقل الحكيم هو الذي ينتهز فرصة رمضان ويكثر من عمل الخير ولا يأخذه العجب بما يفعل بل عليه لكي يكسر العجب أربعة أشياء كما قال الفقيه السمرقندي.
أولها: ان يرى التوفيق من الله تعالى. فإذا رأى التوفيق من الله تعالى، فإنه يشتغل بالشكر ولا يعجب بنفسه.
الثاني: ان ينظر إلى النعماء التي أنعم الله بها عليه، فإذا نظر في نعمائه اشتغل بالشكر عليها، واشتغل عمله ولا يعجب به.
الثالث: أن يخاف أن لا يتقبل منه، فإذا اشتغل بخوف القبول لا يعجب بنفسه. الرابع: ان ينظر في ذنوبه التي أذنب قبل ذلك، فإذا خاف أن ترجع سيئاته على حسناته فقد قل عجبه، وكيف يعجب المرء بعمله ولا يدري ماذا يخرج من كتابه يوم القيامة وإما يتبين عجبه وسروره بعد قراءة الكتاب.
وفي ختام اللقاء.. دعاء ورجاء: