«وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً».
حينما يتعرض القرآن لامتداح المسلمين بوصف يرفع من شأنهم لا يقصد أن يحابي فيهم جنسية على جنسية، أو يدفعهم إلى الطائفية والعصبية.. فإن الناس جميعاً من آدم، وهم في اعتبار الإسلام سواسية كأسنان المشط، لا يفضل بعضهم إلا بالتقوى وصالح العمل.
وإنما يمتدحهم القرآن ليستنهضهم إلى الكمال المنشود في دينهم، ويثير فيهم الوعي إلى مجد الحياة وحسن العاقبة في دار الخلود.
وتطبيق ذلك في قول الرسول: « إذا مدح المؤمن في وجهه ربا الاسمان في قلبه».
وفى سبيل هذه الغاية يتجه القرآن إلى المسلمين من ناحيتين الأولى - ناحية الدين الذي شرع لهم بالنسبة لما عداه من الشرائع والأوضاع التي عاش أو يعيش الناس عليها في دنياهم.
الثانية - ناحية انضوائهم تحت لواء هذا الدين، وانطباعهم بطابعه، وسيرهم في أفقه الرحيب نحو أهدافهم في الحياة الأولى والآخرة.
إذ الإسلام منهج حافل بالخطط والأهداف.. والمسلمون الصادقون هم حملة هذا المنهج وهم أهله المؤتمنون عليه.. وحظهم منه في أن يفقهوا، ويستضيئوا بهديه، ويسيروا على منواله.
وقد كان من أساليب امتداح القرآن للمسلمين قوله تعالى: « وكذلك جعلناكم أمة وسطاً».
فبعد أن ذكر في آيات سابقة اختيار الكعبة قبلة للصلاة، ووحد بها وجهة المسلمين في صلاتهم اينما كانوا، وحقق بذلك دعوة إبراهيم لهذا البيت العتيق الذي كان أول بيت وضع للناس مباركاً وهدى للعالمين.
أقول: بعد ذلك ذكر القرآن تكريم الله للمسلمين بأن جعلهم أمة وسطاً.
والوسط في كل شيء ما بين جانبين متساويين أو نقطة التوسط بين طرفيه.
وقد يكون طرف الشيء نازعاً إلى شطط وغلو، أو نازلاً إلى هبوط ودنو كما في التهور والجبن من صفات الإنسان.. فكل من هذين الطرفين مذموم وبينهما وسط كريم هو الشجاعة.
ثم صار الوسط يطلق على كل شيء حسن بعيد في بابه عن معابه الطرفين: علواً أو هبوطاً.
وعلى هذا الأصل كان وصف المسلمين بأنهم وسط بين الأمم وسط في دينهم ووسط في صفاتهم.
فمن ناحية الدين كان الإسلام مصدقاً لما سلف من ديانات سماوية فيما جاءت به من عقيدة وأصول.
ثم لم يكن لوناً من ألوان الإرهاق الجامع الذي قام في أمم متجبرة ثم عصفت به التطورات الاجتماعية.
ولم يكن تشريعاً رخواً كتلك النظم الوضعية المهملة المستحدثة في بيئات متحللة.. لا تنظر إلى عاقبة، ولا تطمح إلى خلود في النعيم.
وإنما جاء الإسلام ديناً وسطاً يحتوي ما جاءت به الشرائع منذ انبثق تشريع الله للناس، ويكفل نظام الدنيا في مستقبلها ويفسح فيها مجال العلم والحضارة أمام البشرة، ويتلقى بالرضا والثناء كل ما تبذله العقول والقوى البدنية في آفاق الحياة من جهود خيرة مأمونة العاقبة.
كل ذلك دون شطط في تكاليفه «وما جعل عليكم في الدين من حرج يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر».
وبهذا الإجمال الواقعي يتضح أن الإسلام وسط ويتضح امتداح المسلمين من ناحية دينهم وهى الناحية الأولى من اثنتين قدمنا ذكرهما.
وأما الثانية - فهي وصف المسلمين بالذات - ضمن هذه الآية بأنهم أمة وسط.
ووجه ذلك أنهم بحكم ثقافتهم بهذا الدين كما هو مفروض وبحكم استظلالهم برايته يكونون ملتزمين لما عاهدوا الله عليه في تدينهم بالإسلام ويكونون خيراً من سواهم أمانة على دينهم وعدالة في حكمهم ومنزلة في المجتمع ممن لم ينهج منهجهم الحق، إذ ليس بعد الحق إلا الضلال.
وإزاء هذا الاعتبار يزكيهم القرآن بقوله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر».
ولهذا كان امتداح القرآن للمسلمين ثانياً بقوله: «لتكونوا شهداء على الناس» فإن مدلول تلك الشهادة التي قررها الله لهم على غيرهم وزكاهم بها دون سواهم فيما أفهم - غير مسرف - أنها شهادة في الدنيا كما نص علماؤنا على أنها شهادة في الآخرة. أما في الدنيا فلأن الإسلام هو القانون النهائي من جانب الله وهو النظام المرضي لهم، والذي يجب أن يصار إليه، وأن يستعان بتوجيهاته المرنة في فهم شؤون الحياة فهماً صحيحاً يبعد بها من التزمت الحرج، ويصونها من عثرات الطيش والاندفاع.
فالإسلام - كما قال رسوله صلى الله عليه وسلم « يعلو ولا يعلى عليه»، والمسلمون العارفون بدينهم يهتدون به في الفصل بين الخير والشر والهدى والضلال.
وهم الذين ينشرون الدعوة ويوجهون النصح وينادون بالإخاء. وهم الذين يقدرون في الناس ما يعتبر استقامة أو انحرافاً وهم في كل ذلك آخذون بميزان الدين والعقل. فكل ما جنح إليه العقل في ضوء الدين لا في ضوء الهوى يكون حسناً وحقاً إذالعقل الرشيد لا ينازع الدين «ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن».
والى هنا تكون شهادة المسلمين على الناس بتوجيههم إلى الدين، وبأنهم على حق أو باطل مستمدة من هدى الدين الإسلامي، فليس لغير المسلمين مثل هذا الشأن علينا «ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً».
ولكن : هل هذه المنزلة مجرد منحة من الله للمسلمين دون اعتبار ملحوظ في جانبهم.
يكون الشاهد أهلاً للشهادة وموضعاً للثقة فيه والاعتماد عليه إذا كان زاكياً في نفسه وغير مثلوم في نظر خصمه وإلا كانت شهادته مجروحة مردودة وكانت دعوته إلى الخير متهمة مكذوبة.