ونستكمل في هذه الأمسية طرائف الخطابة. وكان المجال قد ساقنا وشاقنا للحديث عن الخطباء ومن أصيب بالحصر منهم، وكيف أن الكثيرين منهم رغم ذلك الحصر استطاعوا أن يتخلصوا منه بفصاحة ولباقة وذكرنا من ذلك أمثلة. ولكن بعضهم قد يمضي في الحَصَر إلى نهايته. فلا يجد ما يقوله.
من ذلك ما روي من أن أحد الخطباء وقف يخطب الجمعة وكان اسمه عذافر فقال الحمد لله وانقطع فلم يجد قولا قط فجعل يقول الحمد لله ويكررها وكان من سوء حظه أن أحد الشعراء كان حاضرا فلما قال الحمد لله أكمل الشاعر فقال على ما أبلانا منك فإنه لا يحمد على مكروه سواه ثم أنشد:
خَتَم الإله على لسانِ عُذافِرِ
ختْمًا فليس على الكلامِ بقادرِ
فإذا أرادَ النُّطْقَ خِلْتَ لسانَهُ
كلسانِ أفْعَى فوجئتْ بِعَصافِرِ
فلم يخطب بعد ذلك.
على أن نوادر الخطباء تتنوع بحسب ذكاء الخطيب أو عدم ذكائه، وبعلمه أو جهله.
فمن أجهل من حَصِر من الخطباء ما روي عن القُلاخُ بن حَزْن وكان شاعرا من شعراء بني أمية.. وقف يخطب للناس خطبة العيد فقال:
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض في ستة أشهر! فصاح به الناس قائلين بل في ستة أيام. فقال معتذرا: أقيلوني واعذروني فوالله إني قلت في ستة أشهر وظننت أني أقللت وقد هممت أن أقول في ست سنوات.. فصاحوا به وأنزلوه من على المنبر!
وأشد منه جهلا والٍ وقف يخطب الناس الجمعة فقال لهم ضمن ما قال:
«والله لا أقول لكم إلا ما قاله العبد الصالح يعظ قومه إذ قال لهم: (ما أُريكم إلاّ ما أرى، وما أَهْديكم إلاّ سبيل الرشاد)» وهذه آية في سورة فاطر عندما دعا موسى الناس لعبادة الله تعالى فناهضه فرعون.. يقول تعالى: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَاد «29») ولذلك تصايح الناس بالخطيب قائلين إنه ليس قول العبد الصالح وإنما هو قول فرعون.. فأجاب قائلا: لكنّه والله أحسن القول! فأنزلوه ثم دعاه الخليفة فقال له: بلغ بك الجهل يا عدو الله أن تأمر الناس على المنبر باتباع أقوال فرعون ثم عزله لساعته.
ومن ألأم من أرتج عليهم وازع اليشكري وكان الوالي قد مرض فانتدبه لإلقاء الخطبة يوم الجمعة.. ولكنه لما بدأ الخطاب نظر للناس فأرتج عليه ولم يجد قولا فأطرق ثم قال أيها الناس..
والله لقد هممتُ ألا أحضر اليوم معتذرا عن الخطبة لولا أن زوجتي ألحَّتْ علي وقالت ناشدتك الله ألا تترك خطبة الجمعة وفضلها ولعلك تشتهر بسببها وتنال خيرا كثيرا فأطعتُها فوقفتُ هذا الموقف الذي أنا فيه، ولذلك فأنا أشهدكم أن زوجته طالق ثلاثا فلعنه الناس وأنزلوه.. فنظروا فرأوا شاعرا فانتدبوه ليخطب الجمعة بدلا من وازع اليشكري ولكن يبدو أن موقف وازع اليشكري قد أصابه بعقدة نفسية فرفض وأنشد يقول:
وما ضرَّني ألاّ أقومَ لخطبةٍ
وما رغبتي في مثلِ ما قال وازعُ
تُطَلّقُ زوجي ثم أرجع خائباً
كسيفاً يُشيعُ العِيّ عني شائعُ
وإلى أمية الغد إن شاء الله تعالى.