ولد زكي نجيب محمود في الأول من فبراير سنة 1905م في قرية (ميت الخولي عبدالله) بدلتا مصر، وتلقّى تعليمه الأولي بالقاهرة، ثم انتقل مع أسرته إلى السودان، وهناك أكمل تعليمه الابتدائي والثانوي، ثم عاد إلى القاهرة والتحق بمدرسة المعلمين.

حيث يقول عن نفسه: أسدلت العشرينات أبوابها، وبدأ عقد الثلاثينات وفي أول أعوام (1930) تخرّج صاحبنا في مدرسة المعلمين العليا، وبدأ حياة التدريس ليجعلها أحد خطين متوازيين سار عليهما.

أما الخط الثاني فهو الإقبال الشديد على متابعة الحياة الثقافية متابعة كادت ألا تترك كتاباً أو مقالة مما كان يكتبه أعلام الحركة الفكرية والأدبية في مصر يومها، ومتابعة أخرى قدر جهده لما كان يصدر في أوروبا وخصوصاً في إنجلترا من نتاج ثقافي.

وكانت الفترة بين تخرجه وحتى سفره إلى إنجلترا عام 1944 فترة مليئة بالنشاط الفكري وخصوصاً ما تعلق بمجلة الرسالة، التي كان يصدرها الأستاذ أحمد حسن الزيات، وكانت تمثل منتدى رفيع الشأن أو جامعة سامقة الذرى، لأنها ازدحمت بأقلام عز وجود مثلها في أي صقع من العالم يومها، وزينت صفحاتها بكل فنون الفكر والمعرفة، وكانت لفيلسوفنا مساهماته بين العمالقة..!

وقضى بانجلترا عدة أعوام للحصول على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة لندن وهي إحدى جامعاتها العريقة، أواخر عام 1947 وكان موضوع رسالته (الجبر الذاتي) ومعنى هذه الكلمة أن الإنسان في حرية إرادته مقيّد بماضيه هو نفسه على الأقل، كما هو مقيّد بعوامل أخرى تشكل له الإطار العام الذي يتحرك حراً بين حدوده.

ولكنه داخل تلك الحدود نفسها إذا ما فعل فعلاً أو قال قولاً في مستطاعه دائماً أن يبدع ما هو جديد غير مسبوق إليه، أي أن علوم الدنيا بأسرها لا تستطيع أن تتنبأ على وجه اليقين بما أنا فاعله أو قائله في اللحظة الزمنية القادمة، فهو فعل جديد أو قول جديد.

لكنها في كلتا الحالتين جدة تضيف إلى حصيلة البشرية من أفعال وأقوال، وليست هي مجرد الجدة كالتي نراها ـ مثلاً ـ في تخليط المجانين أو في شخبطة الأطفال إذا ما وجدوا ورقاً وأقلاماً..!

وحينما عاد الدكتور زكي نجيب محمود إلى مصر وعمل مدرساً للفلسفة بجامعة القاهرة وبكلية الآداب بها، واستلم سلم التدريس من أوله إلى قمته، وابتعد تماماً عن أي منصب إداري لإيمانه أن وظيفته هي الفكر ويجب الإخلاص له بالبعد عن الصوارف عنه، ومن أجل هذا الإخلاص حقق كثيراً من السبق والتميز الفكري.

ومن هنا نال الكثير من التقدير والعرفان بفضله، والعديد من الجوائز والأنواط، ففي عام 1960 حصل على جائزة الدولة التشجيعية عن كتابه (نحو فلسفة علمية) وجائزة الدولة التقديرية عام 1975، وفي عام 1984 حصل على جائزة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. وهو أول مصري يحصل على هذه الجائزة..!

قال الدكتور عاطف العراقي، رفيقه وتلميذه في القسم نفسه بكلية الآداب جامعة القاهرة:

ويمكن القول بأن جميع المهتمين بشؤون الثقافة والفكر يسعون من جانبهم إلى التعرف على حقيقة آرائه التي تعد بالغة الثراء، وفتحت لنا آفاقاً لم نكن ندري عنها شيئاً، لقد سعيت من جانبي إلى منزله عدة مرات، أحاول إقناعه بقبول تعيينه أستاذاً غير متفرغ بقسم الفلسفة بآداب القاهرة وقد تكرم بتلبية دعوتي وعمت الفرحة كل مكان سواء داخل الجامعة أو خارجها.

وذلك بالإضافة إلى رئاسته تحرير مجلة الفكر المعاصرة وإشرافه على العديد من المجلات الأخرى ورئاسته للجنة الفلسفة والاجتماع بالمجلس الأعلى للثقافة وعضويته باللجان العلمية والفكرية واشتراكه في الإعداد لكثير من المؤتمرات الفلسفية ومن بينها مؤتمر عن الفيلسوف ابن رشد بالجزائر.

لقد كنت مسروراً غاية السرور باشتراكي معه في وضع كتيب عن آخر فلاسفة العرب «ابن رشد» لكي يوزع على الحاضرين أثناء المؤتمر. وكم تضاعف سروري حين أهديت له كتابي (ثورة العقل) في الفلسفة العربية اعترافاً بدوره الخلاق والمبدع في صياغة حياتنا الفكرية.

لقد دعانا زكي نجيب محمود إلى ضرورة التعرف على فكر الغرب والاستفادة منه. وقام من جانبه بترجمة العديد من الكتب ترجمة تعد آية في الدقة والأمانة ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر الجزء الأول والثاني من كتاب تاريخ الفلسفة الغربية للفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل.

ومجموعة أجزاء من الموسوعة الضخمة (قصة الحضارة) لول ديورانت، وكتاب المنطق للفيلسوف الأميركي جون ديون، ومجموعة من محاورات أفلاطون، لقد شملت ترجمة التراث القديم والفكر الحديث والمعاصر أيضاً. وهذا يعد من جانبه اعترافاً بقيمة الترجمة ودورها في التنوير تماماً كما حدث في العصر العباسي وما حدث أيضاً في عصر النهضة الأوروبية.

لقد كان الدكتور زكي نجيب محمود في دعوته التجديدية حريصاً كل الحرص على أن يبين لنا أهمية الاستفادة من أفكار الأمم الأخرى، أي في الانفتاح على حضارة الغرب. لقد درس مفكرنا دراسة دقيقة المحاولات التي سبقته، ويمكننا القول بأننا نجد مواقف عديدة حول قضية التراث وصلته بعلوم الغرب وحضارته، فمن المفكرين من يعتمد على الحديث والحديث فقط أي الدعوة إلى المعاصرة فحسب دون أن يأخذ في اعتباره الماضي من تراثنا، ومن هؤلاء سلامة موسى وحسين فوزي ولويس عوض..

كما نجد أمثلة لأناس وجدوا أن الصحيح هو التراث، والتراث فقط، ومن بينهم مصطفى صادق الرافعي، وأيضاً نجد مفكرين قد حاولوا المزج بين القديم والجديد، بين التراث والمعاصرة ومن بينهم رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وطه حسين وعباس العقاد وتوفيق الحكيم..!

وقد وجد زكي نجيب محمود أن الصحيح إلى حد كبير جداً إنما يتمثل في هذا الموقف الأخير أنه موقف لا يرفض تراثنا لمجرد أنه قديم، ولا يرفض أيضاً الاعتماد على ثقافة الغرب وحضارة الغرب.

لقد تميز أستاذنا، أستاذ الجيل زكي نجيب محمود، بحس نقدي غاية في الدقة والروعة أيضاً، حس يجعلنا نقف أمامه في إجلال وإكبار، ولسنا في حاجة إلى القول بأن الحس النقدي هو أهم ما يميز الفكر الفلسفي، أهم ما يعبر عن خصائص الموقف الفلسفي.

وكل مفكر يبرز لديه الحس النقدي إنما يعد مفكراً شامخاً، مفكراً يحتل مكانة فريدة بحيث يتميز عن سواه من المفكرين، فأرسطو اكتسب خلوده لحسه النقدي،وابن رشد عدَّ عملاقاً لمنهجه النقدي، وتوما الاكويني يعد على رأس فلاسفة المسيحية في العصر الوسيط للبعد النقدي الذي يميزه عن فلاسفة المسيحية الذين سبقوه.

والفيلسوف الألماني كانت ًفَُّ إنما تشطر فلسفته الحديثة إلى شطرين، الفلسفة قبل كانت والفلسفة بعد كانت، وذلك لأسباب عديدة أهمها حسّه النقدي البارز والذي تجلّى في ثلاثيته النقدية، نقد العقد الخالص، نقد العمل العقلي، نقد ملكة الحكم. وطه حسين يعد عملاقاً لأننا قلما نجد ظاهرة ثقافية أو اجتماعية أو فكرية إلا ونجده قد تصدّى للبحث فيها على أساس اتجاهه النقدي.

وزكي نجيب محمود يعد على رأس مفكرينا المعاصرين، لأنه أعلى كلمة العقل فوق كل كلمة، أمام تجديده للفكر العربي على أساس نقدي دقيق. والنقد هو أهم خصائص المجدد، لأن المجدد لا يكون مقلداً أو متابعاً للآخرين مجرد متابعة.

وليرجع القارئ العزيز إلى أكثر كتب زكي نجيب محمود سواء كانت في مجال الفلسفة أو في مجال الأدب وسيرى مقدار ما تمتع به مفكرنا من حس نقدي، أعانه عليه ذكاؤه الخارق واطلاعه الجم وتنظيم وقته تنظيماً غاية في الدقة بحيث يكون مخصصاً أساساً للفكر وقضاياه، وعزوبته التي استمرت حتى الخمسين على وجه التقريب.

ولحضت الدكتورة منى أبو زيد معالم فلسفة الدكتور زكي نجيب محمود فيما يلي:

1. تجديد الفكر العربي..

نظر د. زكي، في مرحلتيه الأولى والثانية، إلى التراث العربي نظرة اللامبالاة، ودعا إلى إهماله إهمالاً تاماً.. وفي المرحلة الثالثة وجد أن ترك التراث كله هو انتحار حضاري، لأن التراث به لغتنا وآدابنا وقيمنا وجهود علمائنا وأدبائنا وفلاسفتنا، فدعا إلى الاستفادة من هذا التراث بعد معالجة أوجه القصور في الفكر العربي.

فقد رأى د. زكي أن هذا التراث فيه جوانب عقلية وجوانب لاعقلية تؤدي إلى إفساده، فطالب بتحرير التراث والفكر من لامعقوليته التي تؤدي إلى إفساده، وحدد هذه العوامل في ثلاثة:

أ. احتكار الحاكم لحرية الرأي، أي استبداده برأيه، وتنكيله بصاحب الرأي المخالف، وهذا معناه القضاء على الكرامة الإنسانية.. والصحيح في الفكر إذا جرى مجراه الطبيعي أن يكون حواراً بين لا ونعم..!

ب. سلطان الماضي على الحاضر، وهو بمثابة السيطرة التي يفرضها الموتى على الأحياء، أي سيطرة أفكار القدماء على عقول المعاصرين، وتصور أن هؤلاء القدماء معصومون من الوقوع في الزلل، أو أن الخير كله فيما قدمه السابقون، على الرغم من القانون الذي يسيطر على الوجود والعلم والفكر هو أن التقدم دائماً يسير إلى الأمام، وأن الأفضل هو ما يأتي به المستقبل.

ج. تعطيل القوانين الطبيعية بالكرامات، حيث رأى د.زكي نجيب محمود أن الفكر العربي يقع تحت سيطرة أن هناك أموراً تسيطر على الطبيعة لا تقع تحت قانون، فتأخذ الخرافة مكان الصدارة ويظن أنه في إمكان أي شخص أن يعطل هذا القانون، سواء كان طبيعياً أو وضعياً.

وبهذه العوامل تبتعد الحياة الثقافية العربية عن العقل والعلم، ولذا دعا د. زكي نجيب محمود إلى أخذ جوانب العقل من هذا التراث وإهمال لا معقوله.

2. الفلسفة الثنائية:

قدم الدكتور زكي نجيب محمود منذ كتابه (الشرق الفنان) أول ملامح هذه الثنائية التي تعبر عن فلسفة عربية جديدة تجمع بين الخالق والمخلوق، الروح والمادة، والعقل والجسد، المطلق والمتغير السماء والأرض، كما أن هناك ثنائية العقل والوجدان، وثنائية حضارة وثقافة، تجمع بين ثقافة الأجداد القديمة، وثقافة الغرب المعاصرة.

3. النظرة العلمية: يرى د. زكي أن النظرة العلمية في أساسها موقف عقلي، وقد التزم به ـ في المرحلة الثانية من تطوره الفكري ـ وحده، ثم أضاف إليه الوجدان في المرحلة الثالثة، بحيث يكون لكل منهما مجاله وتتميز النظرة العلمية بخصائص منها:

أنها تحدد الأشياء بنسبتها الصحيحة بعضها إلى بعض، أنها ترد الظواهر إلى أسبابها الطبيعية، أنها تنظر إلى الواقع كما هو لتطوره إلى واقع جديد، أنها تحاول أن تكسب المنهج العلمي في طريقة النظر، ولا تكتفي بجمع المعلومات وحفظها، بل ان يصبح المنهج العلمي طريقاً للحياة والعلم.