إذا كان الإنسان هو عمره فكلما مر يوم زال عنه بعضه، وإذا كان هذا العمر هو رأسماله الحقيقي لإنجاز ما يريد إنجازه بدءاً من إعفاف نفسه وأسرته وانتهاءً بتحقيق هدف ما، كأن يجمع مالاً أو أن يحقق سمعة وشهرة أو أن ينجز إنجازاً يخدم أمته أو أسرته أو نفسه شخصياً، فإن هذا يعني أن ساعات العمر هي الأصل في تحصيل الرزق، ولنحصر اهتمامنا في الرزق المادي، فإن ما يحدث كل يوم من غلاء معيشة وارتفاع أسعار هما سرقة موصفة لعمر ابن آدم يشهدها كل يوم ويغص ألماً وحسرات.
ومع أن المعروض يزيد على المطلوب كل يوم، ومع أن من يدخل إلى الأسواق ببضائع جديدة أو ببضائع قديمة تحمل أسماء جديدة يزدادون كل يوم، الأمر الذي يفترض أن يؤدي إلى انخفاض الأسعار، فإن سراً ما يجعل الأسعار ترتفع يوماً بعد يوم حتى يضيق الخناق على أصحاب الدخل المحدود حتى المرتفع منه، مما يولد مرارات يلوكها هؤلاء ويراكم مشاعر سلبية وأحقاداً في نفوسهم لا تبشر بغد مريح وآمن.
ومع أن العرب والمسلمين هم من أغنى أهل الأرض من واقع ثرواتهم ومواردهم التي تبدأ بالنفط ولا تنتهي عند التربة الخصبة مروراً بكثرة سكانية فاعلة، فإن أكثرهم يعيش تحت خط الفقر أو يحاول أن يتماسك قبل أن ينزل تحته، مع مؤشرات خطيرة تزداد كل يوم تتصل بالأمية والجهل والمرض والعقم الحضاري.
ما الذي يمكن قوله في أحوال كهذه والعربي يشعر بأن عمره يسرق كلما ارتفع سعر مادة أساسية وثانوية، الأمر الذي ولّد عند الكثيرين إحساساً بالعجز عن الدخول عبر بوابة المستقبل، وميلاً إلى مغادرة تيار الحياة الهادر الذي لا تقوى أذرعهم على مقاومته، والرجوع إلى حيث انتظار الموت مع لقمة تشبع ودمعة تجري.
وحتى تستكمل المصيبة وتستأسد الفاجعة يتفلسف نفر من الغرب أو الشرق ليقول أن مصيبتنا في زيادتنا ونمونا السكاني مع أن ما في أيدينا من خيرات يكفي الجميع، ويتفلسف نفر آخر قائلاً إن الفقير أو أن الذي يصارع حتى لا يصير فقيراً هو إنسان كسول لا يملك إرادة العمل والتغيير ولا المرونة مع متغيرات الزمن، فالحياة السعيدة والعيش الثري هما قراران بيد كل إنسان أن يتخذهما فيتحول إلى مليونير يرفل بأثواب الغنى والسعادة.
صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يشترطان للحصول على القروض المساعدة التي تزيد أصحابها فقراً وخسائر من الفوائد بالملايين أن تخصخص كل الميادين والمجالات مما يقدم السلع والخدمات، وأن يرفع الدعم عن المواد الأساسية التي لا تكاد تشبع البطون، وشروط كهذه من شأنها أن تسحق شرائح واسعة من الناس لصالح قلة قليلة في الداخل أو في الخارج تتضخم أرصدتها في البنوك إلى ما لا نهاية.
عندما يتحول الرغيف والإدام وإيجار المسكن المقبول والطبابة وأقساط تعليم الأولاد والرسوم التي تجنى هنا وهناك إلى مشاكل حقيقية تؤدي إلى الإحباط في النهار والقلق والأرق في الليل، وعندما يشعر المعيل أنه عاجز في اللحاق بالأسعار وهي ترتفع بجنون لا يحيط به عقله، وعندما تضطر الأسرة بكاملها إلى العمل من أجل حدود دنيا من الكفاف، فإن هذا يعني تفخيخ المجتمعات بحيث تنفجر بأي لحظة ولا ينتظر لانفجارات مثل هذه أن تسلم بالمنطق السليم.
لماذا ينتظر من المظلوم أن يكون أكثر حكمة من الظالم، ومن المسحوق أن يكون أكثر تعقلاً من الساحق، ومن المسروق أن يكون أكثر أخلاقاً من السارق، ومن الجائع أن يكون أكثر حلماً من الشبعان، ومن المريض المتألم الذي لا يجد سعر الدواء أكثر سكينة وقدرة على الصبر والتصبر من الصحيح.
أصل الداء هو الربا الذي صار هيكل اقتصاد العالم والذي يضيف قروش الضعاف إلى مليارات الأقوياء، إن شعوباً بكاملها تحولت إلى رقيق بفعل ديونها وتراكم فوائدها، كما أن سوء التوزيع مع طمع الطامعين وعجز العاجزين هو المسؤول عن إنتاج هذه الصورة المأساوية لعالم غير أخلاقي.
الأعمار بيد الله.... ولكن الله جعل خلقه درجات، فإذا هم يسرق بعضهم بعضاً، والأسعار بيد الله... ولكن بعض خلقه يتطاولون عليه ويحولون الأسعار إلى سكاكين تعمل في الرقاب.
إن على البشرية اليوم، وعلى العرب والمسلمين منها، أن يكونوا أكثر إنسانية، وأكثر أخلاقاً، وأكثر ورعاً عن أكل لحوم بعضهم بعضاً، لله عدالة في الأرض وهي من شأنه وحده سبحانه وتعالى، ولكن الناس عليها يتظالمون.
ومن لا يؤمن بالآخرة والعدل فيها يمكن أن ينفجر من غيظه أو يتحول إلى مجرم، إن غليان الفقر وفوران الجوع ليسا من مصلحة سكان الأرض، فالفقر في النهاية كفر وانحراف وقتل وإرهاب، يا مسلمي العالم أخرجوا زكاة أموالكم فلا يبقى من المشكلة شيء، أما إن أنكرتم حق الله وحق عبيده فترقبوا آخرة كآخرة عاد وثمود.