الإقْبَالُ، والإتْيَانُ، والمَجِيءُ ألفاظ متقاربة في المعنى، غير أن الإقبال هو مجيء من ناحية القُبُل. وخلافه: الإدبار. يقال: أقبل يقبِل إقبالاً، فهو مقبل. والقُبُلُ: المقابلة والعَيانُ. قال تعالى:«أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً»(الكهف:55). والتقابل أن يقبل بعضهم على بعض؛ إما بالذات، وإما بالعناية والمودة، قال تعالى:«إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ»(الحجر:47). وقال تعالى: «وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُون»(الصافات:27).
أما الإتْيَانُ فهو مجيء من بُعْد، وبسهولة. يقال: أتى يأتي إتْيانًا، فهو آتٍ. وكلُّ آتٍ قريبٌ. ومنه قيل للغريب الجائي من بعيد، وللسيل المار على وجهه: أَتِيُّ. وقيل: سيل أَتِيٌّ، وأَتَاوِيّ، لا يدرَى من أين أتى. قال تعالى:
«فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى» (طه:60)- «قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ» (الأنعام:40)- «أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ» (هود:8).
وأما المَجِيءُ فهو عام؛ لأنه مجيء من أي وجه كان. يقال: جاء يجئ جيئة ومجيئًا. قال الراغب: والمجيء كالإتيان؛ لكن المجيء أعمُّ؛ لان الإتيان مجيءٌ بسهولة، والإتيان قد يقال باعتبار القصد، وإن لم يكن منه الحصول، والمجيء يقال اعتبارا بالحصول. ويقال في الجواهر والأعيان. قال تعالى: «وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى» (يس:20)- «وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ» (هود:77)- «بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا» (الزمر:59).
وأما قوله تعالى: «وَجَاء رَبُّكَ» (الفجر:22) فقيل: إنه مجيءٌ بالأمر، لا بالذات، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، والمراد به: أهوال القيامة المشاهدة. وكذا قوله تعالى: «فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ» (النحل:26). أي: بالأمر والتدبير. وكذا قوله تعالى: «فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ» (الأعراف:34)؛ لأن الأجل كالمشاهد؛ ولهذا عبَّر عنه بالحضور في قوله تعالى: «إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْت» (البقرة:180)؛ ولهذا فرق تعالى بينهما في قوله:
«جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُون» (الحجر:63)، بَالْحَقِّ (الحجر:64)؛ لأن الأول العذاب، وهو مشاهد مرئي، بخلاف الحق. وقوله تعالى: «فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْماً وَزُوراً» (الفرقان:4). أي قصدوا الكلام وتعدوه، فاستعمل فيه المجيء؛ كما استعمل فيه القصد في قوله تعالى: «إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ» (الأحزاب:10). ويقال: جاءه بكذا: استحضره؛ نحو قوله تعالى: «لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء» (النور:13).
وقوله تعالى: «وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ» (النمل:22).وقوله عالى: «وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ» (يوسف:18)- وجاء بكذا، يختلف معناه بحسب اختلاف المجئ به.