قلما تؤثر دوافع القسوة في أصحاب القلوب الكبيرة الرحيمة لأنها أقرب إلى الرقة والحنان منها إلى الغلظة والقسوة، لا سيما إن كانت المشاعر موجهة للمؤمنين وهذا ما تجلى في قول رب العزة سبحانه وتعالى :

«محمد رسول الله والذين آمنوا معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً»، لذا نجد المبعوث رحمة للعالمين محمداً صلى الله عليه وسلم يُناول صبياً تقعقع روحه في صدره تريد الخروج من جسده الصغير، فهلت دمعات مباركات من عينه صلى الله عليه وسلم فقال له سعد :يا رسول الله ما هذا؟ قال :«هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء».

كما اتضح جلياً رحمته صلى الله عليه وسلم حتى مع من حاربوا دعوته وصدوا عن سبيله وأذاقوا أصحابه شتى صنوف العذاب فعفا عنهم يوم أن مكّنه الله منهم يوم فتح مكة فأعلن عبارته الناصعة المشرقة بنور الرحمة :«اليوم يوم المرحمة» وأصدر عفواً عاما عن قريش التي لم تدّخر وسعاً في إلحاق الأذى بالمسلمين، فقابل الإساءة بالإحسان والغلظة باللين والقسوة بالرحمة.

وقد أمر الإسلام بالتراحم العام، ولم يقف الأمر عند حد الأمر العادي بل جعله شرطاً لكمال الإيمان وتمامه فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لن تؤمنوا حتى تراحموا (أي لن يكتمل إيمانكم إلا إذا تبادلتم الرحمة)، قالوا :يا رسول الله كلنا رحيم، قال :إنه ليس رحمة أحدكم صاحبه، لكنها رحمة العامة» فالنبي وسّع من دائرة الرحمة وقصد الرحمة العامة، لمن تعرف ومن لا تعرف، بل الرحمة التي تشمل المخلوقات جميعها:

الإنسان والنبات والحيوان وحتى الجماد، فقد روي أنه لمّا شقّ على النبي صلى الله عليه وسلم طول القيام، استند إلى جذعٍ بجانب المنبر، فكان إذا خطب الناس اتّكأ عليه، ثم ما لبث أن صُنع له منبر، فتحول إليه وترك ذلك الجذع، فحنّ الجذع إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمع الصحابة منه صوتاً كصوت البعير، فأسرع إليه النبي صلى الله عليه وسلم فاحتضنه حتى سكن، ثم التفت إلى أصحابه فقال لهم :«لو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة».

والله سبحانه وتعالى جعل الرحمة سبيلاً إلى الجنة فقد أدخل عز وجل رجلاً الجنة لرحمةٍ ملأت قلبه وفاضت على جوارحه تجاه حيوان قد لا يعبأ به الكثير منا، فقد ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«بينا رجل يمشي فاشتدّ عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلبٍ يلهث يأكل الثرى من العطش فقال :لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجراً قال صلى الله عليه وسلم: في كل كبدٍ رطبةٍ أجرٌ».

وفي الصحيحين «بينما كلب يطيف بركية (بئر) قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها (خُفّها) فاستقت له به فغفر لها» يا الله !! انظر كيف كانت الرحمة سبباً في غفران ذنوب البغايا المتاجرات بأجسادهن فكيف بها مع سائر الخلق؟!

وفي المقابل نجد القسوة والغلظة والفظاظة سائقة صاحبها إلى النار، حتى ولو كانت تجاه الحيوان فتهوي به في دَرَكات السعير لقسوته وغلظته ويحق عليه وصف النبي له بالشقي حين قال صلوات ربي وتسليمه عليه :

«لا تنزع الرحمة إلا من شقيّ»، فهذه امرأة انتكست فيها الفطرة فامتلأ قلبها بظلمة الجبروت والشدة والقسوة فوجبت عليها النار وحق عليها العذاب فيروي البخاري أن النبي قال :

« عُذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» لذا حق على قاسي القلب البعد عن الله الرحيم العفو الغفور ففي الحديث «.. إن أبعد الناس من الله تعالى القاسي القلب» وفي البخاري :«من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» وروى الطبراني عنه صلى الله عليه وسلم :

«من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء». وأُهدي لقاسي القلب وصفة نبوية تُرقّق قلبه وتملؤه رحمةً وتعالج داء الغلظة الوبيل بالدواء الناجع ففيما روى الطبراني أن رجلاً جاء النبي صلى الله عليه وسلم يشكو قسوة قلبه فقال له :«أتحبّ أن يلين قلبُك وتُدرك حاجتَك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك يلِنْ قلبك وتدرك حاجتك». فهلا رحمنا أقرباءنا وأبناءنا وذوي أرحامنا واليتامى والمساكين والخلق أجمعين.