عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير يقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له. صحيح البخاري

أي ينزل رب العالمين نزولاً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه فلا ينبغي أن نقول إن له سمعا كأسماعنا وبصرا كأبصارنا ولا نقول ليس له سمع ولا بصر وإنما نقول: له سمع وله بصر يليقان بجلال وجهه وعظيم سلطانه.

فقد أشرق علينا الله تبارك وتعالى فيوضات شتى في فضل قيام الليل، من استجابة الدعاء وكل العطاء من رب العالمين، ومغفرة الذنوب، وبكرمه علينا لندخل في باب المتقين وباب المحسنين وهذا عن طريق المستغفرين بالأسحار في قوله تعالى:

«إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ» الذاريات15 ـ 17

يقول تعالى مخبراً عن المتقين لله عز وجل أنهم يوم معادهم يكونون في جنات وعيون بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من العذاب والنكال والحريق والأغلال.

فقيل طوبى لمن رقد إذا نعس واتقى الله إذا استيقظ. وقال صلى الله عليه وسلم:

«يا أيها الناس أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام».

وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنها أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم كان يصلي إحدى عشرة ركعة (تعني في الليل) يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وعَنها قالت: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رَسُول اللَّهِ وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وكذلك في قوله تعالى: «تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ»(تتجافى جنوبهم) ترتفع (عن المضاجع) مواضع الاضطجاع بفرشها لصلاتهم بالليل تهجدا (يدعون ربهم خوفا) من عقابه (وطمعا) في رحمته (ومما رزقناهم ينفقون) يتصدقون ونقل عن قتادة ومجاهد وغيرهما أن معناه كانوا لا ينامون ليلة حتى الصباح ومن مواصفات عباد الرحمن في قوله تعالى :

«وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا» (والذين يبيتون لربهم سجدا) جمع ساجد (وقياما) بمعنى قائمين يصلون الليل وقال تعالى:

«أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ» الزمر9

(هو قانت) قائم بوظائف الطاعات (آناء الليل) ساعاته (ساجدا وقائما) للصلاة (يحذر الآخرة) يخاف عذابها (ويرجو رحمة) جنة (ربه) كمن هو عاص بالكفر أو غيره (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) أي لا يستويان كما لا يستوي العالم والجاهل (إنما يتذكر) يتعظ (أولوا الألباب) أصحاب العقول قال شيخ الإسلام : القنوت دوام الطاعة، والمصلى إذا أطال قيامه أو ركوعه أو سجوده فهو قانت.