عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم «رواه الإمام مسلم في صحيحه في باب فضل الاذان».
هنيئاً للمؤذنين الذين يرفعون نداء التوحيد فيصعد إلى أعلى في السماء العلا هنيئاً لهم يشهد لهم كل شيء يسمعهم.
الله أكبر عندما يبشرهم الحبيب المصطفى بأنهم أطول اعناقاً يوم القيامة وعندما يبشرهم أن الأرض لا تأكل من أجسادهم، المؤذن المحتسب فالمؤذن يرفع نداء التوحيد ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويدعو الجميع إلى الصلاة والوقوف بين يدي الله ويبين لهم أن ذلك هو الفلاح في الدنيا والآخرة، يدعوهم إلى الطهر إلى النقاء إلى الصفاء .
وما أجمل هذه الصفات ، ثم يبين لهم أن الله أكبر من كل شيء في الحياة ، فعندما تسمع نداء الله أكبر فهو أكبر من كل شيء في يدك ومن فضل الله على هذه الأمة أن فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليل وكل صلاة لها أذان ، أمة خيرية كثيرة في التكليف قليلة في العمر ، أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين وأقلهم من يتجوز ذلك خمس صلوات لكل صلاة أذان حتى إذا عصيت الله في الصبح تقابله في الظهر فإذا عصيته في الظهر قابلته في العصر في صلة الله ليلاً ونهاراً.
هذا الهدي النبوي الشريف يكشف الملامح الحسية بمعنى أننا نجد الدليل المادي على المعنى في الكناية الحديثية جزءاً من المعنى إذ يتم التركيز على هذا الجزء الذي يغدو صورة فنية لها أبعادها المكانية وأبعادها الوجدانية ولها ما تحفل به من مشاهد ثرة تتضمن جزئيات متحركة مجسمة ومحركة وملونة ومشخصة.
وغايتها تحليل عناصر الصورة الكنائية وماهيتها الحسية لنكشف أثرها الفعال في الأداء والإيحاء كما نحلل أنواع الصور التي تؤديها الكناية من حيث الحواس التي تثيرها ومقدار طاقة التخيل المثار فعندما نتأمل في هذا الهدي الشريف، المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة فصورة الأعناق الآخذة في العلو تعطينا مشهداً طولياً تمتد فيه الأعناق في حركة صاعدة نحو الأعلى فالبداية نقطة يحددها الإنسان والنهاية نقطة يحددها الخالق.
حيث الثواب في العالم العلوي والعلو مقدس في الإسلام فمن أسمائه الحسنى عز وجل «الأعلى» كما في الآية «سبح اسم ربك الأعلى» وهو علو مقام لا علو مكان.
كما جاء في القرآن الكريم على مقام الأبرار قوله تعالى «كلا إن الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم». وعلو الأعناق كناية عن التكريم يوم الجزاء وهم بذلك يشرئبون إلى النعيم الأخروي العميم يتشرفون المباهج قبل غيرهم وقربهم من الثواب يعني قربهم منه تبارك وتعالى.
وقد استخدم العنق لأنه يتطاول مع المد الجميل للأصوات وتنغيمها في أثناء الاذان وليس يقصد هنا الطول أي الفضل وذلك لأن التصوير مستلهم من عملية الاذان وكلمة (الطول) ستذهب بالجانب التصويري إذ عبر عن الذهني بالعلو الحسي وطول العنق يظهر في رفع الرأس إلى الأعلى شعوراً بكرامة المنزل وفرحاً بحسن الثواب وقد شاع هذا التعبير في الدلالة على الشرف والكرامة فيقال: لمن أنال أهله شرفاً:
أطلت أعناقنا ورفعت رؤوسنا ويقال في العكس للمسيء: قصرت رقبتنا وفهم المدلول الكنائي إنما يأتي بحركة تخيلية تكسب العبارة قيمة فنية رائعة، لأن الكلام في مقام المدح يحسن المجازاة وطول العنق ذاته وبخاصة على سبيل المبالغة بصيغة التفضيل قد لا يكون جميلاً وإذ يقترن المقام باللفظ المظل يحرك الذهن إلى ما هو الأنسب من المعاني الملزومة فتساعده الصورة التي يستحضرها الخيال من تجارب الحياة المماثلة فيصل إلى المراد وبعد هذه الحركة النفسية فيكون ذلك سراً من أسرار التقرير .
ولسنا نرى قبحاً في طول العنق وقد قال العرب في مدح النساء (بعيدة مهوى القرط) لطول عنقها ولكن القبيح يكون في غلظ العنق على الرغم من إقرارنا بجمال الطول هنا.
ونختم الكلام على مفردات هذا النص أن المحرك الحسي في عملية التطويل بل هو الاذان ، هذا الحسي المتبادر إلى المدارك العقلية ولكن المحرك الذهني الذي يعمل الخيال هو العمل الصالح مما يلقي بظلال كثيرة وأن الإطار الزمني لهذه الصورة «يوم القيامة» يفيد الحقائق المغايرة لمشاهدات الحياة الدنيا إنه يوم الحق الذي تصدق فيه كل المناظر الغريبة.
فإذا كان لطول العنق كرامة فهناك الكرامة أيضاً كطول اليد مكرمة عظيمة لقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: إذ روت عائشة رضي الله عنها «أن بعض أزواجه قلن يا رسول الله أينا أسرع بك لحوقاً؟
قال أطولكن يداً فأخذن قصبة يذرعنها وكانت زينب أطولهن يدا (فعلمنا بعد) إنما كانت طول يدها الصدقة وكانت أسرعنا لحوقاً به، وكانت تحب الصدقة، في هذه الكناية يتجلى للصبر امتداد في الطول، ولكنه ليس امتداداً نحو الأعلى، بل تطول اليد تعبيراً عن كثرة الصدقة.
وهكذا تصبح اليد المعنى الجمالي الحسي في مشهد الصورة الكنائية، ولكنها لا تظل يدا، بل تغدو فاعلية نفسية متجسمة في اليد فيرتكز البصر عليها كما تقترب الآلة المصورة من ركن لأهميته في التصوير وكأنما طول هذا العضو جعل ملامسة الآخرين وتطيب خواطرهم هينا سهل المنال.
وجعل التلاحم بالآخرين ممكنة، وكأنما نمت هذه العضلة مع المحرك الذهني وهو المكرمة، كما تنمو العضلة في التدريب الجسماني، فمتابعة حيثيات هذه الصورة تتوزع بين الخيال والحس وبين الذهن والتخيل حيث الملامح الروحية.