في المكتبة من مطبوع شعر الخزنة دار ديوان من ثلاثة أجزاء، وفي ديوانه قطع، وقصائد نظمها بمناسبة بعض الصُّور، وخصوصاً في الجزء الثالث الذي أضيف فيه إلى عبارة: «ديوان» عبارة «المُنصفيات» نسبة إلى محمد المنصف باشا باي تونس.
وفي ترجمة الشاعر أنه محمد الشاذلي بن محمّد المنجي بن مصطفى الخزنة، ولد سنة 1881 وارتبط اسمه ب«اللجنة التنفيذية للحزب الحرّ الدستوري التونسي» دار التشكيلة القومية الوطنية من أول انبعاثها تحت رئاسة الشيخ عبدالعزيز الثعالبي (1874 ـ 1944).
وكان الشيخ الثعالبي ـ وأصله من القطر الجزائري ـ قد ألف حزب تونس الفتاة فسجنه الفرنسيون ثم أطلق وعمل في الخفاء ثم رأس حزب الدستور سنة 1920 الذي ألفه أنصاره في غيابه في مجريات يطول شرحها.
وأرّخ له ابنه المنجي خزنة دار وقال: إنه قضى نصف قرن ونيف في الشعر والأدب والسياسة والكفاح المستمر.. وإنه كان شاعر البلاط «الناصري» وشاعر الشعب في آن واحد، وأشار إلى سجنه بسبب مواقفه وآرائه.
يتصدر الديوان صورة للشاعر الخزنة دار وأبيات من الشعر بعدها وفوقها «الشاذلي خزنة دار يقدم نفسه» وهي:
أنا مظهر للشعر والشعر مُظهري
إذا ما تجلّى في المشاعر منبري
أجرّ ورائي من خوافيه عسكراً
فمن قمة الأجواء أو قعر أبحر
وما النصف قرن في امتلاك زمامه
سوى قطعة من فيض روحي لمعشري
خدمت به الخضراء والحقّ والهدى
وصنته عمّا بالفضيلة يزدري
رفعتُ بها أيام لا صوت صوته
وشددت بالتقريع عن كل منكر
وأفعمت بالإحساس أبناء جلدتي
ووقعّت أنغامي بمضراب مِزْهَرِي
فها أنا مبعوث الثقافة فيكمُ
لتلتقط (الأنور منكم بمجهري
(الأنا) بألفاظها، وحقيقتها ظاهرة بين القطعة في حماية للشعر واستقواء به، ومن خدمة تونس الخضراء والدفاع عن الحق، وصيانة الفضيلة بشعره الذي يضرب على مزهره أي على عوده (آلة العود) ونصب نفسه مبعوثاً للثقافة المتنوّرة.
وفي كلمة النّاشر للديوان (الدار التونسية للنشر) ان كفاح الشاعر وسجنه وبذله من نفسه وشعره أهّله ليكون الشاعر الأول لتونس في عصره، واشتهر فيهم بأمير شعراء القطر التونسي (تأسياً بإعلان الشعراء العرب أحمد شوقي أميراً للشعراء العرب سنة 1927). وفي الجزء من الديوان قطعة عنوانها «في إهداء صورة» ومسمّى الصورة في تلك القطعة »مثالاً» وهي من المفردات الشائعة للصّورة، قال:
بعثتُ لكاملٍ مني مثالاً
ليبقى الودّ في ذاك المثالِ
وقلت: إذا شكوت البعد يوماً
تسلّ عن الحقيقة بالخيالِ!
وفي البيت الثاني تورية لطيفة بين الخيال (الوهم) وبين الخيال (الصورة والرسم).
وفي إحدى منظوماته: (عنوانها صوت تونس بالخارج) صورة للفقيه الأديب محمد الخضر حسين الذي صار شيخاً للأزهر، وإشادة به، ومنها:
وفي الخضر الحسيني اليوم ندُّ
وفي أبطالنا العمل الُمِجدٍّ
وأورد قطعة من ستة أبيات وقدم لها بقوله «ما كتبتهُ تحت صوره، الأمير الناصري في قضيتي السجنية» منها:
خدمتك أيها المولى بصدقٍ
وحاشا أن أكون لكم خؤونا
فكان الصّدق مجلبةً لسجني
وبات الصّدق في قلبي سجينا
ونظم ثلاثة أبيات أثبتها تحت صورة «الملك محمد المُنصف باشا باي» وفيها: «قلت في الصورة التي تفضل حضرة الأمير بنشرها بين العموم لمصلحة مكفولي الخيرية الإسلامية:
لله صورته التي
تهدي القلوب إلى الهدى
مدّوا لها الأيدي فقد
مدّ اليتيمُ بها اليَدا
ولْيَحْيَ منصف تونس
رمز الهِدَاية والنّدى
وقد كثرت الصّور في الجزء الثالث الذي طبع بعد وفاة الشاعر.
