رغم مضي سنوات طويلة على ظهور بنوك ألبان الأمهات وبنوك الدم وبنوك العيون وإنشاء هذه البنوك في كل البلاد الإسلامية وممارسة أنشطتها إلا أن الجدل الفقهي لم يتوقف حولها لأنها تنطوي على العديد من القضايا الشائكة التي قد تؤدي إلى الوقوع في المحرمات خاصة بنوك الألبان التي ترتبط بتحريم الزواج بين أخوة الرضاع .

وما إذا كان الإرضاع بتلك الطريقة يخضع للتحريم أم لا يخضع. أيضاً بالنسبة لبنوك الدم هناك تخوف من ان تتحول إلى تجارة فيقوم البعض خاصة الفقراء ومن هم في حاجة ماسة إلى المال إلى بيع دمائهم من اجل لقمة العيش وهذا ينطبق على بنوك العيون أيضاً والتي واجهت هذه المشكلة في مصر فقد اغلق بنك العيون بجامعة عين شمس في عام 1996 بعد دعاوى قضائية بانتزاع قرنية متوف دون الحصول على اذن منه او من ابنائه واقاربه فما رأي العلماء في هذه القضية؟

يوضح الدكتور شوقي عبده الساحي الاستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر بأن فكرة بنك اللبن تقوم على تجميع ألبان الآدميات من التبرع او البيع ثم حفظه او تجفيفه او تجهيزه بطرق مختلفة ثم بيعه أو إعطائه للأطفال المحتاجين للرضاعة وقد تم ذلك في بعض دول أوروبا وأميركا وهذه الفكرة قامت على غرار ـ بنك الدم ـ الذي يجمع الدم من الأفراد الأصحاء ويحفظه حسب المواصفات العلمية.

ويقدمه إلى المرضى المحتاجين لإنقاذ حياتهم مشيرا إلى أن أصحاب هذه الفكرة برروها بان لبن الأم هو أفضل غذاء للطفل لما يحتوي عليه من قيم غذائية عالية تتناسب مع تطور عمر الطفل فضلا عن انه يكسب الطفل المناعة ضد كثير من الأمراض.

ولكن عندما لا يتوفر هذا اللبن لبعض الأطفال مع أمهاتهم اللاتي ولدنهم لسبب أو آخر فان مصلحة هؤلاء الأطفال تتطلب توفير اللبن لهم من أمهات أخريات يتوافر عندهن اللبن ولا يحتجن إليه وبذلك نشأت فكرة بنك اللبن.

ويرى الدكتور الساهي ان بنوك الالبان تنطوي على كثير من المحاذير التربوية والمضار الاجتماعية فضلا عن تعارضها مع الفكر الاسلامي لانه لا جدوى من ورائها حيث لم يترك الإسلام لتطبيقها مجالا في المجتمع الاسلامي لان الغالبية العظمى من الاطفال المسلمين ترضعهم والداتهم .

ومن تبقى منهم دون رضاع يمكن ان يجد فرصته عند ام بديلة على النحو المعهود شرعا وتكون له اما بالرضاع ويترتب على ذلك حرمة المصاهرة ومن ثم فلن يبقى طفل مسلم دون رضاعة امومية الا القليل النادر والذي يستعاض في غذائه باللبن الصناعي - وبذلك فلا حاجة ملحة الى تطبيق هذه الفكرة في المجتمع الإسلامي.

ويؤكد أن هذه الفكرة تتنافى وتعاليم الشرع في تكريم المرأة وصيانتها من الابتذال بالتعامل معها كالبهائم المحلوبة فضلا عن انتهاك عورات غليظة منها لا يجيزها الشارع الحكيم وفي هذا كراهة اجتماعية ومحرمات دينية فنحن نعلم أن رضاعة اللبن من ثدي الأم بمعرفة الطفل هي الطريقة المثلى التي لا تحقق للام أي الم أو امتهان بل إشباع لأمومتها فإذا ما تم ذلك بطريقة ميكانيكية أو ما شابهها فانه سيؤدي حتما إلى مضاعفات جسمانية ونفسية للام.

ويضيف الدكتور الساهي هذه الفكرة ستكون مدخلا لكثير من المفاسد والشرور ومن بينها ضياع مصلحة الطفل نفسه وذلك بسبب تسابق كثير من الأمهات اللاتي يعانين من الفقر إلى بيع ألبانهن لتلك البنوك ويحرمن أطفالهن منه وينتج عن ذلك احتراف بعض الأمهات لهذه المهنة.

كما هو الحال في الاتجار ببيع الدم ونتيجة لذلك تتحول الفكرة إلى استرضاع فئة من الأطفال على حساب فئة أخرى هي الأحق بالرضاع شرعا وعقلا وفي هذا من المفسدة ما هو اكبر من المصلحة لان التطبيق سوف يشتمل على عامل اقتصادي قد يؤدي إلى إشباع أطفال الأغنياء من لبن أمهات الفقراء.

ويشير إلى أن بنوك الألبان قد تؤدي إلى الأضرار النفسية والسلوكية في مقتبل حياة الطفل وهي اخطر مراحل عمره ونموه وخاصة حين يتسع عمل هذه البنوك فتشتمل كثيراً من دول العالم وتقوم كل دولة على مساعدة الأخرى بفائض ألبان نسائها مما يترتب عليه أن يطعم طفل مسلم لبن امرأة لا يعرف عنها شيئا مما قد يؤثر على سلوكية الطفل ونفسيته ويهدده بالإضرار في حياته موضحا أن العلم لم يصل بعد إلى كل الحقائق المتعلقة بلبن الأم وفوائده وحول هذا المعنى يقول ابن قدامة:

كره أبو عبدالله الارتضاع بلبن الفجور والمشركات وقال: عمر بن الخطاب وعمر بن عبدالعزيز ـ رضي الله عنهما ـ اللبن يشتبه فلا تستق من يهودية ولا نصرانية ولا زانية ولا يقبل أهل الذمة المسلمة ولا يرى شعورهن ولان لبن الفاجرة ربما أفضى إلى شبه المرضعة في الفجور ويجعلها أماً لولده فيتعير بها .

ويتضرر طبعا وتعيرا والارتضاع من المشركة يجعلها أماً لها حرمة الأم مع شركائها وربما مال إليها في محبة دينها ويكره الارتضاع بلبن الحمقاء كيلا يشبهها الولد في الحمق فانه يقال إن الرضاع يغير الطباع.

ويطالب بحماية الطفل من خلال سد الذرائع أمام فكرة هذا البنك موضحا انه إذا كانت مثل هذه الفكرة موجودة في غير البلاد الإسلامية لأنهم لا يعرفون الحلال والحرام فان التوجيه الإلهي والرضاع الشرعي المنظم بآثاره وأحكامه يقول إن هذه الفكرة لا مكان لها في مجتمعنا الإسلامي .

وذلك لتعارضها مع القواعد العامة للفكر الإسلامي في استنباط الأحكام الشرعية وما حرمه الله تبارك وتعالى فضلاً عن تعارضها مع العلم الحق الذي تزداد معرفة خباياه يوماً بعد يوم مع تطور الزمن.

وبالنسبة لبنوك الدم يرى السعودي عبدالمقصود العجمي الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية جامعة الأزهر أن الدم وإن كان محرماً شرعاً بنص القرآن الكريم والسنة النبوية إلا أن الضرورة الملجئة إلى التداوي به تبيح نقله من شخص صحيح لآخر مريض، إذا توقف شفاء المريض عليه.

يقول تعالى: «فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم»، مشيراً إلى وجود خلاف بين الفقهاء في اعتبار نقل الدم والتداوي به من الضرورات فمنهم من لم يعتبره ضرورة قاهرة واستدلوا بالحديث:

«إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» ومنهم من اعتبره ضرورة وجعله كالغذاء فالدواء والغذاء كلاهما لازم للحياة، وقد استدلوا على ذلك بأنه يباح التداوي بالمحرمات، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في لبس الحرير لعبدالرحمن بن عوف والزبير ابن العوام رضي الله عنهما لمرض جلدي ألم بهما مع نهيه صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير ووعيده لمن يخالفون أمره.

ويضيف الدكتور العجمي إذا كان الهدف من نقل الدم إنقاذ حياة مريض فهذا جائز شرعاً بقدر ما تستدعيه الضرورة، لأن في ذلك حفظ النفس من الهلاك ومن القواعد الكلية الشرعية: «أن الضرورات تبيح المحظورات» لكن هناك شروط يجب مراعاتها عند نقل الدم من إنسان سليم إلى آخر مريض أهمها: وجود خطر حقيقي على صحة الإنسان المريض وعدم وجود دواء غيره يقوم مقامه، أو يغني عنه وأن يصف ذلك الدواء طبيب مسلم ثقة في دينه وكفاءته وألا يتقاضى المتبرع بالدم ثمناً لهذا التبرع لحرمة بيعه.

ويؤكد أن بنوك الدم الخاصة التي تقوم باستجلاب الدم من أشخاص احترفوا بيع دمائهم نظير أجر معلوم فهذا مخالف للشرع مطالباً بتشديد الرقابة على مثل هذه البنوك أو أن تكون تابعة للدولة بحيث يكون مصدر الدم الشباب الأكثر حيوية عن طريق التبرع وليس الشراء.

ضرورات

ويتفق الدكتور محمد سيد الفار أستاذ الشريعة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر مع الرأي السابق في حرمة بيع الدم أو الاتجار به موضحاً أن كل شيء محرم بيعه والدم محرم بالنص القرآن يقول سبحانه وتعالى: «حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به» فبيع الدم حرام إلا إذا كان للضرورة ولم يجد المتبرع أحداً يعينه على ضروريات الحياة، فالضرورات تبيح المحظورات وتقدر الضرورة بقدرها.

ويؤكد أن بنوك الدم إذا قامت على التبرع ومنع الاتجار فهي حلال، بل هي ضرورة للتداوي في عصرنا الحاضر، ولا تستطيع المستشفيات الاستغناء عن الدم خاصة في العمليات الجراحية وفي علاج تداوي بعض الأمراض.

إباحة أم تحريم

ويطرح الدكتور عبدالحكم الصعيدي الأستاذ بجامعة الأزهر وجهة نظر أخرى فيقول: الأعضاء البشرية ليست كلها على درجة واحدة من حيث الحكم بجواز التبرع بها من عدمه، فهناك بعض المواد يمكن التبرع بها ولا غضاضة في ذلك ولا غبار عليه مثل الدم واللبن لإرضاع بعض الأطفال لظروف اضطرارية ذلك لأن الدم من المواد التي تتجدد بصورة دورية .

ويمكن تعويضها بتناول بعض المواد الغذائية كاللبن وخلافه موضحاً أنه من المعلوم أن عمر كرة الدم الحمراء يصل إلى 120 يوماً ثم يتم تحطمها عن طريق الطحال، فلا بأس إذن من التبرع بهذه المادة وكذلك اللبن عن طريق الإرضاع وله أحكام قد بينتها الشريعة الإسلامية الغراء.

وعلى هذا الأساس يؤكد الدكتور الصعيدي إنه يصح التبرع بالدم وإرضاع اللبن للصغار الذين هم في حاجة إليه، أما الأعضاء البشرية بما فيها القلب فهي غير جائزة لا بوصية ولا بتبرع لأن ملكيتها خالصة لله تعالى ومع أن كل ما في الكون ملك لله تعالى إلا أن هناك بعض الأشياء يمكن التصرف فيها بالبيع أو بالهبة كالعقارات والمنقولات .

وهناك أشياء أخرى لا يمكن ولا يصح التصرف فيها إلا بقدر ما تسمح به الضرورة كالدم وإرضاع اللبن وهناك مواد أخرى لا يصح التصرف فيها بحال من الأحوال لما فيها من المثلة بالإنسان وبخاصة بعد الموت ولا حجة لدى من يجيزون ذلك بالنسبة للموتى على سبيل التبرع من أهلهم وذويهم على اعتبار أن الجسم أصبح حقاً لحي أكثر مما هو حق للميت والصواب أن الجسم أصبح أمانة لدى الحي فلا يصح له أن يضيع هذه الأمانة.

القرنيات

وبالنسبة لبنوك العيون ورغم إباحة الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر لعمل هذه البنوك والإفتاء بإباحة نقل القرنيات من المتوفين حديثاً، وكذلك قتلى الحوادث والمحكوم عليهم بالإعدام إلا أن الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق يؤكد حرمة الأساس الذي يقوم عليه عمل هذه البنوك وهو نقل القرنيات من المتوفين موضحاً أنه لا يجوز شرعاً الاعتداء على جسد الميت وانتهاك حرمته والتمثيل به حتى لو كان ذلك بالاستيلاء على جزء صغير جداً مثل قرنية العين.

ويرى الدكتور واصل أنه إذا لجأت هذه البنوك إلى نقل القرنيات بين الأحياء خاصة وأنها لا تضر المتبرع حسب تأكيدات الأطباء فلا بأس أما الاعتماد على قرنيات الموتى فهذا محرم شرعاً.

القاهرة ـ ضياء الدين أحمد: