اذا كنا قد أشرنا إلى تعدد قضايا الاختلاف بين العالمين الإسلامي والغربي وأنها لا تقتصر على ميدان واحد من مجالات الحياة الإنسانية، فإن أحد المجالات الأساسية المعاصرة للاختلاف قضية الديمقراطية. فالفهم الشائع في الغرب أن الإسلام إنما يتناقض مع الديمقراطية.
وهو ما يفسر وفقا لهذا الفهم تراجع الديمقراطية في دول العالم الإسلامي باستثناء تركيا. وحتى هذا النموذج إنما يتم استغلاله لتدعيم الفرضية الغربية حيث يتم الترويج لمقولة أن تقدم الديمقراطية هناك إنما يعود إلى المدى الذي تبتعد به تركيا عن الإسلام. يتجاوز الأمر هنا الادراكات الخاطئة إلى مرحلة صنع صور معينة وتكريسها تقوم على مغالطات يسهل دحضها.
فمن ناحية فإنه ليس من الضروري أن يكون العالم الإسلامي أو غيره نسخة متطابقة لما يشهده العالم الغربي من نظم سياسية أو اقتصادية أو غيرها، وهو ما يعني تعسف الغرب في التأكيد على التزام قيمة سياسية او غيرها على إطار حضاري آخر مغاير. غير أنه بعيدا عن ذلك.
وفي إطار كون الديمقراطية اصبحت قيمة كونية فإن السؤال إنما يجب أن يدور حول طبيعة القواعد الإسلامية لنظم الحكم ومقارنة هذه القواعد بما آل اليه التطور المعاصر، سواء اتخذ هذا التطور توصيف الديمقراطية أم غيرها من التوصيفات ومن ذلك الشورى وهو المصطلح الذي يفضله كثير من التيارات الإسلامية التي ترفض الانسياق إلى الجري وراء المفاهيم الغربية.
وفي هذا الصدد نشير إلى أن نظرة متأنية على طبيعة انتقال السلطة في المجتمع الإسلامي الأول الذي مثله النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين الأربعة إنما يكشف عن آلية أساسية لانتقال الحكم تقوم على أساس الرضا الشعبي بغض النظر عن شكل هذا الرضا سواء كان عاما .
كما حدث في اختيار أبي بكر أو يقوم على الاختيار المحدود من قبل النخبة على نحو ما جرى في اختيار عثمان. هذا على مستوى التطبيق في الخبرة الإسلامية التي يمكن القول أنها تعكس رؤية الإسلام بحق بالنسبة لنمط وأسلوب ادارة الحكم.
ويعزز هذا الفهم ما أشار اليه البعض من غياب الإجماع حول مفهوم الديمقراطية حيث أنها كانت تعني أشياء مختلفة للشعوب المختلفة في الأزمنة المختلفة. من اليونان القديمة إلى أوروبا الحديثة من الديمقراطية المباشرة إلى الديمقراطية غير المباشرة، من حكم الأقلية إلى حكم الأغلبية.
غير أن النقطة الهامة هنا والتي تكشف عن غياب الموضوعية في النظرة الغربية إلى حال الديمقراطية في ظل التطبيق الإسلامي مغامرة الكثير من المفكرين والسياسيين الغربيين بأن الديمقراطية في فهم الإسلاميين المعاصرين إنما تعود صوت واحدة لمرة واحدة، بمعنى مصادرة السلطة بمجرد الوصول إلى الحكم.
وهو الفهم الذي أثبت التطور الحديث خطأه على مستوى تجارب عديدة من بينها تجربة الأحزاب الإسلامية في تركيا سواء الرفاه أم العدالة، وتجربة النظام الإيراني، وأخيرا تجربة حماس، والتي تسعى هي ذاتها إلى إشراك فصائل أخرى في الحكم ما يقوض المقولة الغربية من الأساس.
ويتضح لنا تناقض الفهم الغربي ومغالطته من أنه فيما يحذر الكثيرون هناك من أن الرؤية الإسلامية للديمقراطية تقوم على مصادرتها وهو أمر يبقى في إطار الاحتمالات، فإن هؤلاء أنفسهم يصمتون عن المصادرة الفعلية القائمة للسلطة من قبل العديد من أنظمة الحكم الماثلة في عدد من الدول الإسلامية.
وباختصار، ولأن الأمر يضيق عن التعرض للقضية في مختلف جوانبها نشير إلى أن جوهر التعاليم والتجربة الإسلامية بشأن نمط الحكم تتوافق بقدر كبير مع روح الديمقراطية، بغض النظر عن التسمية، أما بالنسبة للبعض الذي يفتش في التجارب السلبية للتدليل على وجهة نظره.
فإنه يجب ألا يغفل هنا حقيقة أساسية تتعلق بالأديان عموما وليس الإسلام فقط وهى أن التراث الديني عرضة للتوظيف والتفسيرات المختلفة على شاكلة الأيديولوجيات السياسية وهو الأمر الذي لا يقلل بحال من صحة الفرضية التي نؤكد عليها.
مصطفى عبد الرازق