يقول الله تعالى: «قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين» الآية (الأنعام:71).
يقول الشيخ محمد رشيد رضا - رحمه الله - ضرب الله تعالى في هذه الآية مثلاً يتضح لمن عقله من المشركين ما تقرر فيها، وفي الآيات قبلها من بينات التوحيد ودلائله، ويظهر لهم سوء حالهم وقبح مآلهم في شركهم. ثم يوضح المفسر بلاغة العبارة التي بدأت بها الآية، إنها بينت علة الإنكار والتعجب في الاستفهام من خمسة أوجه وخلاصتها: أحدها:
أن دعاء غير الله تعالى تحولٌ وارتدادٌ من دعاء القادر على كل شيء إلى العاجز الذي لا يقدر على شيء. ثانيها: أنه نكوص على الأعقاب وتقهقر إلى الوراء، وهذا يدل على التحول المذموم. ثالثها: التعبير «نرد» المبني للمجهول بدل التعبير بنرتد أو نرجع والنكتة فيه أن هذا التحول المذموم ليس من شأنه أن يقع من عاقل. .
رابعها: أن من أنقذه الله من الضلالة وهداه إلى الصراط المستقيم السوي فمن يقدر أن يضله بعد إذ هداه الله. خامسها: المثل الذي يصور المرتد في أقبح حالة كانت تتصورها العرب. وذلك قوله تعالى: «كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران»... ثم يقول المفسر عن تقدير التشبيه : وتقدير التشبيه في الكلام:
أنرد على أعقابنا بعد تلك الهداية مثل ردِّ الذي استهوته الشياطين في الأرض أو مشبهين بالذي استهوته الشياطين.. إلخ. ويقول القرطبي: قال ابن عباس: أي مثل عابد الصنم مثل من دعاه الغول فيتبعه، فيصبح وقد ألقته في مضلة ومهلكة، فهو حائر في تلك المهامة، وروي أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر كان يدعو أباه إلى الكفر وكان أبواه والمسلمون يدعونه إلى الإسلام.
و في كتاب «المنتخب في تفسير القرآن الكريم» يأتي شرح الآية بأنها أمر من رب العزة لرسوله الكريم صلي الله عليه وسلم يأمره فيها بأن يقول لأولاد الكفار توبيخاً لهم، هل يصح أن يعبد غير الله، مما لا يملك جلب نفع، ولا دفع ضر، وننتكس في الشرك بعد أن وفقنا الله تعالى إلى الإيمان.
وتكون كالذي غررت به الشياطين وأضلته في الأرض. ومن ثم صار في حيرة لا يهتدي إلى الطريق المستقيم، وله رفقة مهتدون يحاولون تخليصه من الضلال، قائلين له: ارجع إلى طريقنا السوي، فلا يستجيب لهم، قال أيها النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الإسلام هو الهدى والرشاد، وما عداه ضلال، وقد أمرنا الله بالانقياد له فهو خالق العالمين ورازقهم ومدير أمورهم.
وفي متناول تفسيره للآية يقول الأمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي - شيخ الجامع الأزهر -: قل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه من غير المعقول أن نعبد غير الله من مختلف الآلهة التي لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً فنكون بذلك قد ارتدينا وانقلبنا على أعقابنا بعد أن أنعم الله تعالى علينا بنعمة الإيمان التي لا تعلو عليها نعمة.
وبالتالي نكون قد رجعنا إلى الكفر ونكون كالذي حملته وأجبرته الشياطين على السير في الأرض وهو تائه حيران، رغم وجود من يدعونه إلى الهدى للخلاص من هذا الضلال الذي يجعله تائها حيرانا، ولذلك فإن الله يؤكد في كتابه أن هداه فيه النجاح والفلاح والأمر لكل المسلمين أن يسلموا أمرهم لرب العزة.
ويتضح من قراءة الأية أن رب العزة يأمر رسول الله الكريم أن يوضح للناس الفائدة الجليلة التي تملكتهم بمجرد إيمانهم بالله مالك الملك وخالق السماوات والأرض وعالم الغيب والشهادة، وذلك بعد تركهم لعبادة الأوثان والأصنام تلك التي كانوا يتخذونها آلهة وهل لا تقدر على نفع أو ضر لنفسها.
مشيرة الآية في مثلها أن من يرتد بعد الإيمان هو كمن حملته الشياطين على السير في أرض لا يعرف عنها شيء ولا يعلم معالمها التي تساعده على التحرك وسلك الدروب، فهو محمول من الشياطين التي دفعته إلى الكفر بالله للسير تائه حيران، لا يعلم ما ينتظره في ذلك المسلك الضال، الذي حمل على السير فيه بردته وعودته إلى الكفر بعد الإيمان والهوى، وفي ذلك بيان وتوضيح لمدى الخسران الذي يصيب كل من كتب الله له الهدى واتبع هواه وارتد بعد إيمانه.
«وكالة الصحافة العربية»