يجيب المفكر والمحامي رجائي عطية الذي أثرى المكتبة العربية، كما أثرى المحاماة وصار واحدا من أنبغ أعلامها بالعديد من المؤلفات في الفكر والأدب وعلوم الكتاب والإسلاميات في كتابه - الأديان والزمن والناس - عن السؤال المطروح:
ما أسباب هذا الفارق - أتسع أو ضاق - بين الدين كما نزل، وبين فهم أو عدم فهم الحاليين له؟ ما الذي حدث عبر الزمان حتى أخذ الناس بعيدا عن فهم روح ومبادئ وأحكام الدين كما تلقاه الأسلاف الأوائل في زمن البعث؟
يقول المؤلف في مقدمة الكتاب: إن أديان البشر جزء لا يتجزأ من الحياة البشرية، ويستحيل أن تنفصل حياة الأديان ومضمونها عن حياة الناس الذين يعتنقونها ويتفاعلون معها، ويستحيل أن تستقل الأديان بوجود خاص بها مفصوم عن الناس ونشاط وتفاعل وانطباعات الناس، ذلك أن علاقة الأديان بالخالق جل شأنه كانت وستظل دائما علاقة آدميين متغيرين متطورين مع تفاوت نظرتهم له والتفاتهم إليه بتفاوت الأزمنة والأمكنة، والنمو والتقدم.
ويكشف الكتاب عن العلاقة بين الأديان، واللغة، حيث إن اللغة هي مفتاح ذاكرة وفكر وتخاطب وتفاهم الآدمي، ولذلك فإنها بالضرورة موازية لتطوره، وشاهدة في الوقت نفسه عليه، هذا التطور الحتمي للغة، يصب حتما ولزوما في حياة وفهم ووعي الآدمي، وفي حصاد ما يحصله في تخاطبه وقراءته وبحثه ومراجعته.
ويتصل من واقع هذا اتصالا بالغ الخطر والأهمية والتأثير في علاقة وفهم وإلمام الناس بالأديان، ونشر دعوتها واستمرار خطابها لاتباعها وتلقين أحكامها وتعاليمها، وهي مفتاح إطلال أبناء الديانات على كتبهم المقدسة التي نزلت في زمن غابر مضت عليه ألوف السنين.
وهذا التطور في اللغة يستدعي بالضرورة وجوب الالتفاف في قراءة وفهم الكتب المقدسة ومدونات الأديان إلى معاني الألفاظ والصيغ والعبارات والتراكيب التي كانت سائدة في زمن نزول الكتاب المقدس أو كتابة سير الأنبياء وما صاحب زمانهم من أحداث كتبت بلغة وأساليب وصيغ من كتبوها في ذلك الزمان.
وفي جزء آخر من الكتاب يحادثنا المؤلف قائلا: إن الديانات السماوية جميعا كلمة الله، فلا تحمل الأديان السماوية في بنيتها الأصلية أسبابا للصراع، ولذلك فإن ما طرأ على «العقائد» دخيلا في بعض الأديان على كلمة السماء، لم يكن بذاته سببا لتصادم أو صراع أو تقاتل.
فلا تصادمت المسيحية والإسلام في شأن عقيدة التوحيد على ما بينهما من اختلاف يجتهد كل طرف في إبانة صدق رؤيته فيه دون صراع أو تصادم أو قتال، ولا حدث صراع أو اقتتال بين المسيحية والإسلام من ناحية، وبين اليهودية من ناحية أخرى.
ومما سبق ذكره يؤكد رجائي كذب الإدعاء بأن العرب أو المسلمين، يعادون الديانة اليهودية التي أنزلها الله على موسي كليم الله الذي يوقره القرآن الكريم ويجعل الإيمان برسالته وباقي الأنبياء والرسل السابقين على النبوة المحمدية جزءا أساسيا لا يتجزأ من الإيمان بالإسلام خاتم الرسالات، فالإسلام يعادي الأفعال الضالة الظالمة.
ولا يعادي أعراقا ولا سلالات ولا يأخذ الأبناء أو الأحفاد بجرائر الآباء والأجداد، بل إن ادعاء السامية ذاته الذي تنطلق أكذوبة معاداة السامية ادعاء باطل يثبت بطلانه دراسات التاريخ والهجرات المتعاقبة، وتفرق اليهود في أشتات الأرض، مما يهدم من الأساس حكاية الامتداد العرقي إلى سام بن نوح.
يعرف المسلمون من قرآنهم المجيد، أن الناس قد خلقوا مختلفين في عقولهم وقدراتهم، وفي فهمهم وعقائدهم، هذه السنة الكونية تحدث عنها القرآن الحكيم فقال: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين» فيري المؤلف أن الإسلام لا يقابل هذا الاختلاف بالازدراء أو بالعداء، وإنما يمد للأغيار الهداية والسماح، فلا يجبر الإسلام أحدا على اعتناقه.
وليس صحيحا أن الجزية كانت للإكراه على الدين أو مقابل لعدم الإسلام، وإنما هي ضريبة لا تحميل فيها. فغير المسلم يتمتع بكافة مرافق ومنافع وحماية دار الإسلام التي يتمتع بها المسلم، ولا يؤدي الأغيار فريضة الزكاة التي يؤديها المسلم لأنها تعبدية، فكان من سماحة الإسلام وعدل وسلامة منطقه ألا يلزم بها غير المسلم.
وكفل أيضا المسلمون للمسيحيين واليهود حريتهم الدينية، لم يجبر أحدا من الأغيار على ترك دينه، أو يقسره على اعتناق الإسلام، فصان المسلمون المعابد والأديرة والكنائس. وعلى سبيل المثال فهناك المزارات المسيحية في مصر الإسلامية، وهي نفس الوقت مزارات للمسلمين أيضا، مزارات سانت كاترين.
والقديس مارجرجس، ودير المحرق بأسيوط وغيرها، مزارات يوقرها ويزورها ويتبرك بها المسلمون، هذه الصورة الرائعة لاحترام الأغيار والتآخي بين الأديان، محال أن تراها في غير الإسلام.
ويردف المؤلف قائلا: إن الإسلام نبه على أن العهود مع الأغيار هي السبيل لاستقرار السلام، وتفادي ويلات القتال، ويستطيع المتابع للسيرة النبوية منذ بداية تكون المجتمع الإسلامي في المدينة، أن يلحظ أن معظم اهتمام النبي عليه السلام كان بإرسال البعوث إلى القبائل المحيطة بالمدينة لتبادل التعاهد على المسالمة، وظلت هذه سياسة مرعية.
فيما تلا ذلك من مكاتبة للملوك أو الأمراء، أو زعماء القبائل الحاكمة فور الوصول إلى المدينة تلازمت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار مع معاهدة اليهود بعهد عقده ووادع فيه اليهود وأقرهم على دينهم وعبادتهم وأموالهم ووضع أسسا تسير عليها العلاقات بين الفريقين في سلام وأمان.
في هذا العهد، ساوي بين اليهود والمسلمين في وجوب النصرة ومن تبع المسلمين واليهود فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا مناصرين عليهم، فلم تعرف البشرية قانونا للحرب يخفف ويلاتها قبل الإسلام.
لغة السلام
ويشير المؤلف إلى أن الإسلام لم يبح الحرب إلا لضرورة الدفاع أو إزالة الصد عن سبيل الله، وبقيت في شرعة الإسلام مكروهة لا تباح إلا لضرورة تظل محكومة بها فلا تجاوزها ولا تتعداها، لا يخوضها الإسلام - إن فرضت عليه - للتقتيل أو التذبيح أو التحريق.
وإنما لغاية سامية توقف الحرب ويجنح إلى السلم فور بلوغها - فمن الإسلام عرفت الإنسانية أول أساس لقانون الحرب الذي فرض لها الضوابط وقلم الجموح للتخفيف قدر المستطاع من ويلاتها وشرورها، وكان الإسلام أول من احترم الأسير وأفسح لنجاته ولمعاملته بالحسنى ولقبول الفداء بل والمن بإطلاقه.
مع أن المحارب الأسير، سلف منه القتل، إلا أن الإسلام لم يضن عليه بالحماية، فوضع القرآن دستورا عظيما في رعاية وفداء وتبادل الأسرى، بالآية الرابعة من سورة محمد التي قضت في شأن الأسرى قبولها:
«فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها»، ثم أضاف القرآن الأسير إلى من تجب لهم الصدقة والرحمة والإطعام، فيقول عز وجل في صفات المؤمنين: «ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا»..
ومن ذلك يظهر الفضل في سن قواعد لقانون الحرب للشريعة الإسلامية، هذا التعانق الفريد بين المساواة والتسامح في الإسلام، يشكل ملمحا ناصعا من ملامح عالمية هذا الدين وعنايته بالأغيار، وعبقرية الإسلام في أن «الأمان» الذي تبني دوحته، يؤمه ويستظل به غير المسلم مع المسلم، لا يصادر على أحد في دينه أو ملته أو معتقده. ويختتم المؤلف كتابه بالحديث عن الأديان وعقيدة النبوة، قائلا:
إن عقيدة النبوة في الأديان المرسلة إليها قد تحددت بالزمان والمكان، مثملا تحددت بوسيلة الخطاب وحجج الصدق التي لا غناء عنها لرسول أو نبي لإقناع الناس بأنه لا يتحدث بلسانه، وإنما هو مبعوث مرسل يتحدث بأمر ربه الذي اصطفاه وبعثه لهداية الأقوام، في دوائرهم المحدودة بمكان معيشهم وبالزمان الذي فيه عاشوا ونزلت إليهم الرسالة.
وقدم لازم كل نبوة «حجة صدق» هذه الحجة ترمي بخرق المألوف إلى مقاومة شرنقة الالف والاعتياد بأن تكون مدخل النبي لإبهار قومه بأنه بالفعل قد جاءهم مبعوثا من الله، فكان توقع الطوفان وبناء الفلك والنجاة به حجة نوح عليه السلام، وإبراهيم الخليل الذي أيده الله بمعجزة حمل امرأته وهي عجوز، والنار التي ألقاه الكفار فيها فجعلها سبحانه وتعالى بردا وسلاما عليه.
ومع كل ما زود به الأنبياء والرسل من آيات معجزة وحجج صدق مبهرة لم يعدم الناس وسيلة للجدل والإنكار ولابست عقيدة النبوة في أفهامهم أغلاط ذهبت بهم عن مفهومها ومرادها، حتى باتت هذه العقول مرادفا لصناعة التنجيم أو الاستطلاع أو الكهانة، وخلط بعضهم بينها وبين الجنون كما خلطوا بينها وبين السحر والكهانة.
واتخذها البعض مجالا لتوارث الأبناء عن الآباء ووقر فيه أخلاد الناس من عامة جهلائه حتى أحباره وعلمائه، إن الكشف عن الغيب مرادف لمعنى النبوة، وأن وقوع الخبر المنبأ عنه أو المتنبأ به هو وحده امتحان الصدق الذي يمتحن به الأنبياء الصادقون فيما ينقلونه أو يتكلمون به عن الإله.
