مناقشات كثيرة أثارتها نظرية التدفق الإعلامي الغربي، البعض يعترف بها كحقيقة، في ظل عدم امتلاك الإمكانيات الإعلامية التي يملكها الغرب وبالتالي نستقبل الثقافات التي تختلف مع مبادئنا وعاداتنا وتقاليدنا.
والبعض الآخر يمثل اتجاهاً قوياً في الآونة الأخيرة يتمثل في ضرورة القضاء على هذه النظرية بإنشاء بنية إعلامية قوية، خاصة بعد دخولنا عصر الأقمار الصناعية، وبالتالي أصبح من السهل إنشاء قنوات إعلامية ذات طابع إسلامي تناهض تلك القنوات التي تشوه هويتنا الثقافية والدينية بل وتحاول القضاء عليها. وفي هذا التحقيق حاولت ( وكالة الصحافة العربية ) التعرف على وجهات النظر، حول كيفية وجود إعلام إسلامي يرد على القنوات التي تعتبر الإسلام عدوها الأول ودارت الأفكار حول إصلاح البيت من الداخل أي إصلاح مفهوم الشباب والإعلاميين بل والدعاة أنفسهم والبعد عن الفرعيات.
وبناء استراتيجية إعلامية مستقبلية ذات مصداقية تركز على الأحداث الهامة. وإعداد نشرات إعلامية يتم توجيهها لأعداء الإسلام وهناك رأي ينادي بأن يكون الإعلام الإسلامي فوق الحكومات ليجعل قراراتها متفقة مع تعاليم الإسلام.. وهناك الكثير نعرضه بالتفصيل في السطور القادمة.
د. محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري يحذر من التحديات المتعددة التي تواجه الإسلام والمسلمين في الوقت الحاضر، مشيراً أنه تم تجنيد ترسانة الإعلام الغربية لتشويه صورة الإسلام والمسلمين في مختلف أنحاء العالم،خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان يمثل العدو التقليدي القديم للغرب.
وأصبح العدو البديل الآن هو العالم الإسلامي ويتحدثون عما أسموه بالقنبلة الذرية الإسلامية وتهديدها للعالم الحر وينسون القنبلة اليهودية في إسرائيل أو الهندوسيين في الهند أو المسيحيين في الغرب أو الشيوعية في الصين.
وأضاف : إن الإعلام الإسلامي يتحمل مسؤولية ضخمة في هذا المجال فعليه أن يوقظ الهمم ويشحذ الفراغ ولا يكتفي بالضرب على أوتار القلوب وإلهاب المشاعر بل ينبغي أن يخاطب العقول وأن يسهم بفاعليه في مكافحة السلبيات والتركيز على الأولويات والارتفاع بوعي شباب الأمة وعدم الدخول في جدل عقيم حول الهامشيات.
ويتوقف د. «زقزوق» أمام عدة نقاط مهمة على طريق بيان واجبات الإعلام الإسلامي في مواجهة المشكلات والتحديات التي تواجهه، وأهمها ضرورة مواجهة الفراغ الفكري لدي شباب الأمة بالأفكار الإيجابية الإسلامية وإلا فالشباب سيصبح عرضه لتقبل ما يرد إليه من أفكار مختلفة يروجها الآخرون.
كما أننا مطالبون بوضع خطة مزدوجة للمواجهة الفكرية تسير في اتجاهين متوازيين، أحدهما توضيح المفاهيم الإسلامية والكشف عن الأخطاء الشائعة وثانيها مناقشة الأفكار الهدامة وإبراز الرد العلمي عليها.
ويؤكد د. «زقزوق» أنه لا يجوز للإعلام الإسلامي أن يغفل عن مواجهة التأثيرات العميقة للإعلام الغربي في عقلية أبناء الأقليات الإسلامية، فهذه الأجيال من أبناء المسلمين في الغرب تكاد صلتها بلغتها وثقافتها الإسلامية تكون متلاشية وتعريف الشباب بالمفكرين الأصلاء والمؤلفات الإسلامية الرصينة التي تحمل أفكاراً مضيئة مع استخدام شتى الألوان والوسائل الإعلامية لتوضيح الحقائق الإسلامية والرد على الشبهات.
ميثاق شرف إعلامي
أما د. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق فيؤكد على أهمية دور الإعلام الإسلامي ورسالته في الفترة القادمة، حيث تنعقد عليه آمال عظيمة ولابد من الوقوف على حقيقة هذا الدور فالذي لا يستطيع أن يصلح نفسه وذاته لن يستطيع أن يبلغ الكلمة إلى الغير بمعنى أنه هو نفسه في حاجة إلى مراجعة في حاجة إلى معالجة الكثير من السلبيات التي أعثرت بعض شرائحه، فالكلمة أمانة والقلم في يد صاحب الكلمة سلاح يمكنه أن يدافع به عن عقيدته وأمنه وعن وطنه الإسلامي.
ويمكنه أن يضرب به الآخرين وأن يمزق عرض الأبرياء، وبالتالي فنحن في أشد الحاجة إلى التنقية العامة للبيئة الإعلامية حتى يمكننا مواجهة أعدائنا وأعداء عقيدتنا بما اخترعوا من وسائل لهو تصرف المسلمين عن دينهم وكتاب ربهم وتفجيراتهم للقضايا الفرعية والجزئية لأحداث الفجوة والفتنة بين المسلمين.
وأشار«هاشم» إلى أن عصرنا الآن هو عصر السموات المفتوحة والتحدي الحضاري مما ينبغي معه وجود ميثاق شرف بين وسائل الإعلام وبين الدول وأن يكون هناك تحصين لأبنائنا الشباب وأن تكون هناك مواجهة حقيقية لهذا البث الذي يحمل المخاطر من كل جانب.
ولن نفي بهذا الواجب العظيم إلا بإعلام إسلامي غيور مخلص يجعل كل جهوده لخدمة نشر الإسلام ولتوحيد الأمة وليس لضرب المسلمين بعضهم ببعض وتمزيق صفوفهم.
الدعاية الصهيونية
ومن جانبه يؤكد د. علي عجوة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة على ضرورة بناء استراتيجية مستقبلية للإعلام الإسلامي في ضوء التغيرات المتلاحقة التي تفرض على المخططين والمنفذين المواءمة المستمرة بين الخطط التفصيلية والتطورات الإعلامية السريعة في عالم الغد، خاصة مع التفوق الكبير لوكالات الأنباء العالمية على وكالات الأنباء المحلية في جمع ونشر الأخبار والأفكار والمعلومات وأضاف:
إن التحديات التي تواجه الإعلام الإسلامي يمكن حصرها في أربع أمور كبرى تحتاج إلى جهود كبيرة لمواجهتها وإضعاف أثارها مرحلياً تمهيداً للتغلب عليها وتحقيق التفوق في المستقبل القريب، وتتمثل في قوة الاتصال الغربي والسيطرة التي يتفوق من خلالها على العالم كله.
وكذلك الدعاية الصهيونية التي تستفيد من سيطرة الإعلام الغربي وتتحكم فيه لتحقيق أهدافها الخاصة.. كما تساهم أوضاعنا في أضعاف إعلامنا وإتاحة فرص التفوق للدعاية المضادة ويأتي بعد ذلك الإرساليات التنصيرية بما يدعمها من قوى سياسية واقتصادية.
ويري د. عجوة أن تلك التحديات تستلزم قيام الإعلام الإسلامي على دعائم مهمة كالمصداقية والواقعية والتركيز على الأحداث الحقيقية ذات الأهمية بالنسبة للمجتمع الإسلامي.
جهاز إعلامي إسلامي
ويشدد د. فاروق أبو زيد عميد كلية الإعلام الأسبق بجامعة القاهرة على حتمية وجود جهاز إعلامي إسلامي يهدف إلى وضع أسس إصلاح المجتمعات الإسلامية طبقاً لتعاليم الدين الإسلامي، ويشير إلى ضرورة الابتعاد عن الوعظ والنصح المباشر حتى تفتح القلوب فتتلقى وتستقبل دون تعصب وتثري الأخلاق الفاضلة بين الناس .
وتختفي الأخلاق الضعيفة ويفيض الأعلى على الأدنى، وأضاف أن الإعلام أْهمل الدعوة والتعريف بالإسلام حتى بين المسلمين، ففي أطراف البلاد الإسلامية من لا يعرف من الإسلام غير الصلاة والشهادة وهنا لابد أن يفهم العاملون بجهاز الإعلام الإسلامي أنها مسؤولية شرعية .
وليست عملاً هامشياً بل هي من صميم الدعوة وركيزة دينية أساسية لمن يشكك أو يعارض مبادئ الدين، فالمسؤولية خطيرة لأنها دعوة لأمة مثالية تضاهي الدول الكبرى في ظل تطورات العصر فلابد من ترجمان يعرف حقائق الإسلام للغير.
وأكد د. «أبو زيد» على ضرورة التخطيط الجيد للإعلام الإسلامي مع ضرورة وجود ديوان الترجمة الإسلامي، ويكون به قسم خاص بالموسوعات لفقه الإسلام وترجمة للمصطلحات الدينية بكل اللغات الأجنبية، إضافة لترجمة كل ما يكتب في بلاد العالم عن الإسلام وشعوبه وتوزيع هذه الكتب المترجمة على المسؤولين وأجهزة الإعلام لإصدار نشرات باللغات الأجنبية يكتبها العلماء المتخصصون من المسلمين في الموضوعات التي تهم المجتمعات الحديثة وترد على ما يشيعه أعداء الإسلام، مع ضرورة ألا ننسى في هذا الصدد الدراسات المقارنة.
وما جاءت به الفلسفات والنظريات وما جاء في الإسلام. وكذلك ضرورة جمع وتصنيف وتحقيق التراث الإسلامي على أجهزة كمبيوتر بطريقة مبسطة للتعريف بمبادئ الدين على أن يشرف على ذلك علماء الدين والسياسة والاقتصاد والاجتماع والإعلام المتميزون للاستفادة من علمهم وخبرتهم.
دعاة التبشير:
ويرى المفكر الإسلامي د. محمد عمارة أن محطات الإذاعة في دول الشرق الأقصى عليها طلب مكثف من أصحاب الاتجاهات المختلفة في العالم لاستئجار وقت لها لبث برامجها، وعلى رأس المستأجرين دعاة التبشير في العالم.
مشيراً إلى أنه من خلال رصده لظاهرة الاستقبال البرامجي في البلاد الغربية، تبين أن الكثيرين يشاهدون البرنامج المسيحي كما يحرصون على مشاهدة البرنامج اليهودي ولما سأل أحدهم هل يشاهد البرنامج الإسلامي في التلفزيون أجاب: وهل يذاع برنامج إسلامي لا أظن فلو كان يذاع لشاهدته.
وأكد د. «عمارة» على أهمية دور الجمعيات والهيئات الخيرية الإسلامية في القيام بدور فعال في التعريف بوجود إذاعات تبث برامج إسلامية هادفة.
إضافة إلى ضرورة استقطاب العاملين في مجال السينما والتلفزيون وحثهم على إنتاج برامج إسلامية تعيد تثقيف تلك الشعوب.. وتركز على الأساسيات دون الفرعيات فماذا نستفيد إذا عرفنا الغرب أن هناك اختلافاً حول سنن العادات وعمل المرأة وصوتها مثلاً !!
ثلاثة عناصر
أما المفكر الإسلامي د. أحمد كمال أبو المجد فيرى أن الإعلام الإسلامي هو السبيل إلى مجتمع القوة وذلك باستجلاء معاني الإسلام التي مازالت خافيه لا يقدر على تحليلها الكثيرون لما فيها من حرج سياسي، فيجب أن يتعالى الإعلام الإسلامي فوق ذلك ويدعو إلى الخير والحق الذي يعلو فوق الحكومات ليوجهها ويرقب أعمالها لتحقيق أهداف الإسلام السامية.
ويؤكد د. «أبو المجد» على ضرورة وجود التصور المسبق لما يجب أن تكون عليه أوضاعنا مستقبلاً وهذا يعني تحديد الفارق بين التخطيط واستشراف آفاق المستقبل بقصد التهيؤ لاستقبال الغد والتعامل معه، فلا سبيل لتحقيق هذا الدور، إلا إذا خرجنا من الذات الإقليمية والتواصل مع الآخرين وعبور الحدود الإقليمية التي تفصل بين الأنا والغير والتي تفصل بين الثقافة والإعلام المحلي.
وكذلك الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية وعدم الجمود والانسحاب من ساحات الصراع، ثم الإيجابية في سلوك العرب والمسلمين بحيث يدركون جميعاً أن رسالتهم موجهه إلى كل الناس وأنه من الضروري أن نشارك بحضارتنا العربية والإسلامية من جديد في صنع التاريخ وترشيد سيرته.
القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية::

