كان جيمس ستيل، أستاذ العمارة في جامعة سازرن كاليفورنيا هو الذي وصف النقاش الدائر حول الشكل الأنسب للمسجد المعاصر بأنه «السجال الكبير».
هذا الوصف موفق إلى أبعد الحدود، لأسباب عديدة، أولها ان «السجال الكبير» الذي بدأ منذ عقود عدة لا يزال محتدماً حتى اليوم، من دون أن تبدو أدنى بادرة إلى قرب التوصل إلى خلاصات أو استنتاجات، تحسم هذا النقاش، أو على الأقل تثريه، وتجعله يستند إلى حد أدنى من المبادئ والأفكار المتفق عليها بين المعماريين المنخرطين فيه.دعنا نأخذ مثالاً واحداً على ما نقصده هنا، فالمسجد الجامع الكبير في قلب بوتراجايا، العاصمة الجديدة لماليزيا، يقدم اقتراحاً بحسم القضايا الأكثر أهمية في هذا النقاش، حول الشكل الأنسب للمسجد المعاصر.
هذا المسجد يصافح من يتأمله بقبته الهائلة ومآذنه العديدة وصحنه الممهد الممتد الذي يعانق بيت الصلاة بكتلته التقليدية.جميل، ولكن دعنا نتذكر أن ماليزيا نفسها هي التي قدمت للعالم مسجد دولة ربما كان مسجد الدولة الوحيد في العالم الذي شيد من دون قبة، وهو مسجد نيجارا الجامع الكبير في كوالالامبور.إذن فالنقاش يتواصل، بل ويحتدم، ويصل إلى مرحلة الاستقطاب بين ما يدعوه الكثيرون، عن خطأ أو صواب، الله أعلم، بالتقاليد المعمارية الإسلامية وبين من يرفعون لواء الحداثة، ويدعون إلى قطيعة مطلقة مع التقاليد البصرية.
دعنا نأخذ ما يمكن أن نسميه باستراحة محارب من هذا النقاش، ونحن نتأمل مسجد الذيد الكبير، الذي تم إنشاؤه على نفقة المغفور له بإذن الله تعالى سلطان بن علي بن عبدالله العويس، والذي أعد تصميمه وأشرف على تنفيذه علي بن سالم بن جاسم، وافتتح يوم الجمعة 25 جمادي الأول 1413 هجرية الموافق 20 نوفمبر 1992.
عندما يقف المرء حيال كتلة بيت الصلاة القوية، المستطيلة، في هذا المسجد، فإن ذاكرته ترتحل، بصورة تلقائية تماماً، إلى إعادة التفسيرات البديعة، التي قدمها ماريو روسي للعمارة المملوكية في عهودها المتأخرة، التي حفلت بتراث قرون من الإبداع في السياق المسجدي. الذاكرة نفسها، على الأقل ذاكرتي العجوز، تعود من ملامح هذا المسجد إلى الملامح الأليفة لمسجدي السيدة صفية وصلاح الدين في القاهرة.
هذه القبة المنورية الحدوية، التي يطوف النظر بها وحولها، معانقاً زخارفها التضليعية البارزة، تتناسق معها ومع كتلة بيت الصلاة المستطيلة مئذتان رهيفتان، يتوقف المرء طويلاً أمام كل جزئية وتفصيل فيهما من البدن المربع الذي يشكل قاعدتهما وكيف يخلص منها كيانهما المثمن وشرفاتهما المتعددة التي تزنرها المقرنصات البديعة، لتتوج هذا كله نهايتهما ذات الشكل البصلي، الدال على التقليد المعماري الذي تنتمي إليه بامتياز.
تأمل عقود المداخل وكيف تكاملت مع الأعمدة، واستعانت بالأطر والحشوات، لتجمع بين الصرحية ومراعاة البعد الإنساني. دع ناظريك يصافحان الأعمدة في بيت الصلاة وكيف يتم هذا الاختزال النادر للتيجان. قف طويلاً قبالة المحراب، ولاحظ الوصول المرهف إلى القياس الإنساني، وانظر هذا الاختزال البسيط والجميل للمنبر. أنظر بهاء الزخارف النباتية وجمال حشوات الخط العربي وحسن توظيف الخشب، ولاحظ الاجتهاد الراقي في توسيع البلاطات.

