بدأ شباب من أعمار مختلفة في نقاش مع بائع حول أسعار صواني البقلاوة في أحد محلات التجهيزات الغذائية، وهذه الصواني تختلف من حيث أوزانها وأحجامها وأنواعها، فهناك البقلاوة العراقية المعروفة، وهناك بقلاوة أخذت تغزو الأسواق في الفترة الأخيرة وهي البقلاوة والقطايف السورية.
كانت في المحل صوانٍ من البقلاوة ومن القطايف ومن زنود الست ومن العوامات تتراوح أوزانها بين الكيلوغرام وثلاثة كيلوغرامات.
قال أحد أفراد المجموعة وهو أحمد محمد (طالب جامعي 20 عاماً): «هذه الحلويات ليست للعائلة، وإنما هي (رهان) للعبة المحيبس التي نلعبها يومياً في شهر رمضان بين شباب الحي، بعد أداء صلاة التراويح».
وأضاف: «نجتمع في حديقة إحدى الدور ونمارس هذه اللعبة الشعبية، وبالتناوب مع الدور الأخرى الموجودة في المنطقة».
وأشار إلى أن «هذه اللعبة تعتمد على الفراسة، ورهانها نوع من الحلويات الفاخرة، وعليه لابد من تهيئة صينية صغيرة من البقلاوة وزنود الست أو القطايف تفي بالغرض».
و«المحيبس» هي إحدى الألعاب الشعبية التراثية التي تمارس من قبل العراقيين وتقترن تاريخياً بشهر رمضان، وما يميزها حالياً عن السنوات السابقة هو موقع أداء اللعبة، فسابقاً كانت تلعب في المقاهي، إلا أن رائحة الموت والاغتيالات والعمليات المسلحة نقلت لعبة المحيبس الشهيرة من مقاهيها إلى دور لاعبيها.
الحاج أبو إبراهيم (مدرس متقاعد) قال: «يقسم عدد اللاعبين إلى فريقين، ويختار كل فريق قائداً له، ويخبأ المحبس أو الخاتم في يد أحد اللاعبين ويطلق عليه (تبيات) بعد إخفاء الأيدي تحت غطاء أو بطانية».
أضاف: «تبدأ اللعبة بنزول أحد لاعبي الفريق الخصم إلى ساحة اللعب حيث يبدأ بفتح اكبر عدد ممكن من أيدي اللاعبين وإخراجهم من ساحة الملعب، مبقياً على اليد التي وضع فيها الخاتم، أما النتائج النهائية للعبة فتعتمد على عدد النقاط التي يحصل عليها الفريق الفائز، ويدفع الفريق الخاسر ثمن صواني البقلاوة التي تقدم إلى كل اللاعبين، والضيوف الحاضرين».
من جانبه، قال سعد عمار(موظف من عشاق لعبة المحيبس): «المحيبس من سمات شهر رمضان المبارك، وسابقاً كان المواطنون يسمعون أصوات الأفراح والأهازيج الصادرة من المقاهي التي تجري فيها هذه اللعبة، غير أن الوضع الأمني الذي يعيشه العراق حول لعبة المحيبس من المقاهي المقفلة حالياً إلى حدائق الدور».
أضاف: «يجتمع عشاق هذه اللعبة ويمارسونها على وجه السرعة بدون تأخير ليعودوا إلى دورهم القريبة قبل انطلاق الدوريات الأميركية، وغالباً لا تبعد دار أبعد لاعب عشرات الأمتار، والمهم في اللعبة هي المتعة وليس الفوز والخسارة».
أما عمر طه (مدرس) فيقول: «لا محيبس هذا العام إلا على نطاق محدود ولوقت قصير، ففي السنوات السابقة كانت اللعبة تستمر إلى ما قبل السحور، ويترك عشاق هذه اللعبة المقهى وهم يتبادلون الضحكات والتباهي بالفوز والغناء بأغانٍ شعبية تعكس فرحهم وكأنهم فازوا في مباريات كأس العالم، أما الآن فقد اختفت جميع هذه المظاهر ولم يبق سوى الحديث عن الاحتلال والموت والانفجاريات والأزمات».
وفي الإطار نفسه، قال قيس وهاب (صاحب محل حلويات): «هذه اللعبة تعتمد على الفراسة والحدس والتخمين وقراءة الوجوه وحركات الجسم الإرادية وغير الإرادية».
أضاف: «في السنين السابقة كنا نبيع صواني البقلاوة التي تتراوح أوزانها مابين 15 و18 و 20 كيلوغراماً لتقديمها إلى اللاعبين الموجودين في المقاهي، أما الآن فنبيع صواني البقلاوة زنة 3 و4 و5 كيلوغرامات فقط لتقديمها للاعبين المجتمعين في حديقة أحدى الدور السكنية وذلك لأن عدد اللاعبين أصبح محدوداً».
ولعائلة الحاج أبو مثنى (عميد عسكري متقاعد) وأولاده الخمسة المتزوجين داراً كبيرة، وقال الحاج أبو مثنى: «أنا وأولادي وزوجاتهم وبناتي وأزواجهن وأحفادي نقسم أنفسنا فريقين، احدهما برئاستي والآخر برئاسة الحاجة أم مثنى، ونبدأ في ممارسة هذه اللعبة التي تستهويني كثيراً، وتمتد إلى أذان الفجر، حينها نصلي ونقرأ بعض آيات الذكر الحكيم وننتظر انتهاء سريان حظر التجوال معاً، حيث يذهب من يرغب أو من كان مرتبطاً بدوام، أما البقية وتحديداً من ضيوف المنزل فإنهم يحولون غرفة الجلوس إلى غرفة منام ويغطون في نوع عميق، الرابح منهم فرحان وسعيد والخاسر الذي دفع ثمن بقلاوة اليوم يتوعد الجميع بالثأر لخسارته في هذه اللعبة».
أضاف: «أتمتع وعائلتي بلعبة المحيبس التي كنت أمارسها في مقاهي المدينة في الماضي وحولتها الآن وبسبب الظروف الأمنية إلى لعبة عائلية تعلم فيها (الحارث) وهو اصغر أحفادي بعض المصطلحات مثل (عظمين) والمقصود بها فتح الكفين أو مصطلح (طق اليمنى) أو (طق اليسرى) أي افتح الكف اليمنى أو افتح الكف اليسرى، وهكذا استطعنا أن نتكيف مع الواقع».
