لا يكاد اللغويون يفرقون بينهما. ومن يعرف جوهر الكلام، يجد بينهما فرقًا، ينبئ عن بلاغة كتاب الله تعالى، وهو أن الإيتاء أقوى من الإعطاء في إثبات مفعوله؛ لأن الإعطاء له مطاوع. تقول: أعطاني فعطوت، ولا تقول في الإيتاء: أتاني فأتيت؛ وإنما تقول: أتاني فأخذت. فالفعل الذي له مطاوع أضعف في إثبات مفعوله من الفعل، الذي لا مطاوع له؛ لأنك تقول: قطعته فانقطع، فيدل على أن فعل الفاعل كان موقوفًا على قبول في المحل، لولاه ما ثبت المفعول؛ ولهذا يصح قطعته فما انقطع، ولا يصح ذلك في ما لا مطاوع له، فلا يجوز: ضربته فانضرب.

أو: ضربته فما انضرب، ولا: قتلته فانقتل. أو: قتلته فما انقتل؛ لأن هذه أفعال، إذا صدرت من الفاعل، ثبت لها المفعول في المحل، والفاعل مستقل بالأفعال، التي لا مطاوع لها. فثبت بذلك أن الإيتاء أقوى من الإعطاء، ويقال فيمن كان منه قبول. فمن الإيتاء قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء (آل عمران:26)، فعبَّر عن ذلك بالإيتاء؛ لأن الملك شيء عظيم، لا يُعطَاه إلا من له قوة. وكذلك الحكمة في قوله تعالى: يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (البقرة:269).

ونظيرهما قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (الحجر:87)، فقال: آتيناك، ولم يقل: أعطيناك، لعظم القرآن وشأنه. وقوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً (النساء:54)، فعبَّر عن ذلك بالإيتاء دون الإعطاء، للعلَّة التي ذكرناها.

ومن الإعطاء قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (الكوثر:1)؛ لأنه مَورودٌ في الموقف، مُرتَحَلٌ عنه، قريبٌ إلى منازل العز في الجنة، فعبَّر فيه بالإعطاء؛ لأنه يُتْرَك عن قرب، ويُنتقَل إلى ما هو أعظم منه. وقال تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (الضحى:5)، فعبَّر فيه بالإعطاء، لِمَا فيه من تكرير الإعطاء، والزيادة إلى أن يرضى كل الرضا. وكذا قوله تعالى: الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (طه:50)، فعبَّر فيه بالإعطاء، لتكرر حدوث ذلك باعتبار الموجودات.

وقال تعالى: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ (الحج:41)، فخَصَّ دفع الصدقة بالإيتاء، لمكانتها في الإسلام. و قال تعالى: حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ (التوبة:29)، فخَصَّ دفع الجزية بالإعطاء؛ لأنها موقوفة على قبول منا. وإنما يعطونها عن كره، بخلاف الصدقة.