ولد السيد مصطفى عزت أفندي في طوسيا، وهي قرية واقعة جنوب قسطموني، قريبة من البحر الأسود، سنة 1216ه، الموافق لسنة 1801م، وبعد وفاة أبيه دستان أغا مصطفى زاده، أرسلته أمه للدراسة في استانبول، فالتحق بمدرسة الفاتح في سن مبكرة، كما انه بدأ دراسة الموسيقى، ولما علم السلطان محمود الثاني (1808 ـ 1839) بقدراته في تجويد القرآن وإنشاد الموشحات في مسجد هداية في بهجة كابي باستانبول، أمر بنقله إلي الخدمة في القصر السلطاني، حيث أمضى ثلاث سنوات هناك،
كما أمضى ثلاث سنوات أخرى في سراي غلطة، حيث درس العلوم والفن وأصبح عازفاً ماهراً على الناي، وتعلم خط الثلث والنسخ على يد الخطاط جوميز مصطفى أفندي، كما درس خطي التعليق وجلي التعليق لدى يساري زاده مصطفى عزت أفندي (ت 1265 ـ 1849) وأُجيز فيها وقد أخذ من أستاذه الثاني لقب عزت وأدخله في تواقيعه.
ورغم ترحاب السلطان بخطاطنا هذا، وإسباغه الرعاية عليه، إلا أنه ضاق ذرعاً بأنظمة التشريفات وفكّر في المغادرة، وعمد إلى استئذان السلطان في أداء فريضة الحج، وفي طريق عودته من الحجاز عرج على القاهرة، ومكث فيها مدة قبل عودته إلى استانبول، وبدلاً من العودة إلى القصر السلطاني صمم على أن يقضي باقي عمره في الزهد والعبادة. وفي أحد أيام رمضان من عام 1247هـ كان السلطان يصلي في مسجد بايزيد، عندما سمع صوت مصطفى عزت ينشد، فميّز السلطان صوته، وأدرك أنه لم يعد إلى القصر، فأمر بإيقاع العقوبة عليه، إلا أنه عفا عنه فيما بعد، وتقلّد مناصب دينية وقضائية عالية وخاصة في عهد السلطان عبدالمجيد (1839 ـ 1861).
يقول الخطاط نجم الدين أو قياي: كان مصطفى عزت إماماً وواعظاً في مسجد أيوب لمدة ست سنوات، وكان يخصص يوم الجمعة لإعداد الخطبة والعبادة، ويتوقف عن التمرين في الخط، فقال يوماً لتلاميذه: أنا أعرف أعمالي التي كتبتها يوم السبت، حتى لو رأيتها من الجانب الخلفي (المعكوس) بعد أربعين سنة. كان خطاطاً فذاً، ربطته علاقات الاحترام والمودة مع أمراء الأسرة الحاكمة، بالإضافة إلى كونه عضواً في المجلس الأعلى للقضاء، وقاضياً للتمييز في روميليا، ونقيباً للأشراف.
توفي شيخ العلماء سنة 1293 ـ 1876 ودفن في مقبرة طوب خانه في استانبول وقال عنه أحد المشيعين وهو واقف بإزاء قبره: لقد أودعنا في هذا القبر تابوتاً زاخراً بالمآثر، وكتب شاهد قبره أنجب تلاميذ، محسن زاده عبدالله. ومن أبرز تلاميذه: شفيق بيه وعبدالله الزهدي، ومحسن زاده عبدالله وحسن رضا. كتب خطاطنا أحد عشر مصحفاً، وأكثر من مئتي حلية وعددا لا يحصى من اللوحات والقطع، أما أعماله الأخرى فأبرزها اللوحات الدائرية في مسجد أيا صوفيا وهي أكبر لوحات العالم الإسلامي، إذ بلغ قطرها ثمانية أمتار،
بالإضافة إلى كتاباته بجلي الثلث وجلي التعليق في أماكن كثيرة مثل ضريح محمد علي باشا في القاهرة، وقصر (دولمه بهجه) وواجهة وزارة الحربية (جامعة استانبول حالياً) ومسجد نعلي في الباب العالي، والنصب التذكاري في واشنطن، وقد حفر النص على الرخام وكلّف مئتين وتسعين دولاراً. عرف بمهارته في العزف على الناي وكان يتمتع بصوت شجي، وله مؤلفات في التواشيح الدينية (26 قطعة)، وليس هناك موسيقار وصل إلى مستوى مصطفى عزت في الخط ولا خطاط وصل إلى مستواه في الموسيقى، ويقول عنه نجم الدين أوقياي: إن خط النسخ عند مصطفى عزت يذكرنا بالفراشات الجميلة الطائرة.
