إذا كان مما يغيظ الراشدين من ذوي الحكمة لا من ذوي الأهواء، هذه التيارات الهادرة من كل صوب، من الإباحية غير الخجلة إلى حد الوقاحة، والعراء غير المبرر إلا في عالم الحيوان، وإذا كنا لم نعد نأمن على بيوتنا وأبنائنا من أن تبتلى بالسقوط الأخلاقي والانتحار القيمي فإن بعضاً من نخبنا ترى في هذا السيل من الإغراء والحرية في الجنس الاجتماعي والإعلامي علامات صحة وعافية وإرهاصات لشفاء العرب من عقدهم النفسية المكبوتة.

ومن يطالع الفضائيات اليوم يرى أن الشيطان قد استحكم وتربع على قمة المؤسسات الإعلامية، ومن يمشي في شوارع أكثر العواصم العربية وفي مناطق التنزه والاصطياف فيها يصل إلى يقين مرعب، مفاده أن الحياء قد ألغي من القاموس العربي وقد حل محله استلطاف الناس وإعجابهم بالرذيلة، بدءاً من رموز الفتنة والإغراء فيما يسمى بالفن والمغنى العربيين، ومروراً بالحرية غير المحدودة للاختلاط والخلوة بين المراهقين والشباب التي لم يعد يعترض عليها أحد، وانتهاءً بالبغاء الذي لم يعد يتخفى في الأقبية والحواري بل صار يتصدر مجتمعات الأكابر وذوي النفوذ أو يترصد الشباب والرجال من ذوي العقول الطائشة على زوايا الشوارع وعند بوابات الفنادق.

إلا أن الأدهى والأمر أن هناك من يدافع عن كل هذا ويرى أن المسألة لا تحتاج إلى كل هذا التعقيد الأخلاقي، فما الضير في أن يستمتع الناس بأهوائهم وشهواتهم ومتعهم! ولماذا لا يكون الناس مالكين لأجسادهم دون وصاية من أحد! وهل كتب على الشباب العربي أن يعيش حياته مكبوتاً يحول قهره الجنسي بينه وبين تحقيق الآمال والانجازات، ولماذا لا تتحرر المرأة بدءاً من تعرية جسدها! وما الضير في الحرية الجنسية إذا كانت جميع الأطراف راضية مرضية.

هذا الكلام السفيه يأتي على ألسنة أناس كان ظننا فيهم خيراً وكنا نأمل أن يكبحوا إلى حد ما من سعار الفتن التي لم تعد تخطئها العين، أما أن تبرر الفاحشة بهذه الصورة القميئة وأن يتم تجاوز الدين والأخلاق والهوية والخصوصية والعقل والمنطق السليم وأن تتحول الإباحية إلى مجال استثمار لأثرياء العالم فأخشى أن يكون هذا من علامات يوم القيامة.

فرويد أكد أكثر من مرة أن الحضارات لم تقم والانجازات التاريخية لم تتحقق إلا بهامش ما من الكبت والتصعيد، وابن خلدون يرى في إتباع الأهواء علامة انتقال الأمم إلى عمرها الأخير قبل زوالها، وديننا الإسلامي أقام حضارة ما زلنا نفاخر بها إلى الآن عبر توازن بين رغبات الجسد ورقي الروح دون سقوط في مخاضات الفاحشة، ولكن النخب اليوم أو بعضها ترى أن السعار الجنسي هو الذي سيحرر الشباب ويجعلهم في جاهزية كاملة للإنتاج والبناء.

أذكر أن الشيخ عبد الحميد كشك تحدث يوماً عن خمارة علقت على بابها عبارة «رأس الحكمة مخافة الله»، ورموز الفتنة والإغراء الجنسيين ومن يمول لهم خروجهم على الناس في فن غرف النوم ليسوا أقل جرأة على الله من صاحب هذه الخمارة. فمرة نسمع أن فضائية إباحية قررت أن تستحدث فضائية إسلامية جديدة، ومرة نسمع أن راقصة ذهبت في رحلة عمرة أو أنها تنصب في رمضان موائد للرحمن لإفطار الصائمين، ومرة نسمع أن راقصة ماجنة بررت فسقها بأن الحسنات يذهبن السيئات وأنها لا تقصر أبداً فيما تكافأ عليه بالحسنات التي ترجح على كفة السيئات.

قلت مرة أن المجتمع الذي لا يرتب مكافآته وعقوباته بما يتناسب مع تحقيق أهدافه في التنمية والانتاج والبناء مجتمع يضيع على نفسه فرصة الوجود نفسه. ونحن اليوم في زمن عربي دخل الساقطين فيه يعادل أضعاف دخول الجادين من طلبة العلم أو المعلمين أو المفكرين أو الخبراء، فلماذا يزعجنا انصراف الشباب عن العلم إلى كرة القدم أو إلى الأحلام الفنية، حتى صار كل من يعجب بصوته في الحمام يتقدم إلى برامج اكتشاف الموهوبين في زمن يفوق فيه الجسد الجميل الفاتن على موهبة حسن الصوت والقدرة على الأداء.

ما جعلني أقول ما أقول علمي بأن واحدة من نجمات الإغراء التي تحصل على الملايين يومياً جزاء جمالها وفتننها وإغرائها، استضافتها الـ CNN باعتبارها ظاهرة فنية خارقة عربياً وعالمياً، الأمر الذي فسرته صاحبتنا بأنها استطاعت أن تحقق انجازاً تخدم به الأمة العربية، فقد أوصلت إلى العالم كله أن العرب ليسوا مجرد رعاع أو إرهابيين وأن الشباب العربي يحب الحياة والسرور ويقدر الجمال والفن ويصنع المعجزات الفنية (مثلها).

فعلينا جميعاً أن نشكر الله على أن أوجد فينا فتاة لعوباً استطاعت أن تحسن صورتنا وتمنحنا شهادة حسن سير وسلوك في عالم لا حياء فيه، وقد نقلت الصحف أن جنود الحواجز الإسرائيلية في الأرض المحتلة يطلبون من أصحاب السيارات من العرب «شريط» فنانتنا الغالية ليستطيعوا المرور.