في شهر رمضان يشعر المسلم بصفاء النفس وصقل الوجدان، حيث أن جوارحه قد صدقت في صيامها وابتعدت عن اقتراف الأيام وصار اللسان لا ينطق إلا الحق ولا يقول إلا الصدق، لذا تراه سعيدا لما وصل إليه من سمو في العبادة ورقي في المشاعر، ولأنه يعرف أن الصدق يهدي إلى البر وان البر يهدي إلى الجنة كما جاء في الحديث الشريف. وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شهر رمضان شهر أمتي، يمرض مريضهم فيعودونه، فإذا صام مسلم لم يكذب ولم يغتب، وفطره طيب سعى إلى العتمات (صلاة العشاء والفجر) محافظا على فرائضه خرج من ذنوبه كما تخرج الحية من سلخها. (رواه الشيخ ابن حبان)
المسلم الصادق في قوله يزداد سعادة عندما يصدق في أعماله بحيث يكون باطنه كظاهره أو خيرا من ظاهره، فمخالفة الظاهر للباطن ان كانت عن قصد سميت رياء ويفوت بها الإخلاص وان كانت عن غير قصد فيفوت بها الصدق لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اجعل سريرتي خيرا من علانيتي، واجعل علانيتي صالحة. قال يزيد بن الحارث: إذا استوت سريرة العبد وعلانيته فذلك النصف، وان كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل، وان كانت علانيته أفضل من سريرته فذلك الجور. الصائم الصادق يجعل عمله خالصا لوجه الله تعالى لأنه يعرف أن ما عند الله هو الباقي.
قال تعالى ما عندكم ينفد وما عند الله باق، ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. (سورة النحل 96) ومن مظاهر الصدق العملي بذل المال في سبيل الله وإعانة المحتاج وإدخال السرور على الآخرين في رمضان وفي غير رمضان، هذا بالإضافة إلى الصدق في أداء الصلوات في أوقاتها مع جماعة المسلمين وإخراج الزكاة المفروضة كي تتحقق السعادة في دنيا الناس ويشعر الفقير بها وعندها يعرف أن أخاه القادر لم ينسه ولم يبخل عليه هو وأولاده ومن علامات الصدق الوفاء بالعهد واحترام الإنسان لكلمته إذا أخذ عهدا على نفسه حتى لا يضر بالآخرين، ومن هنا فإن الصدق يلتقي مع جوهر الإيمان بعكس الكذب فإنه يتنافى مع حقيقة الإيمان.
المسلم الصادق هو الذي يشعر بالسعادة الغامرة وخاصة في شهر رمضان حينما يبتعد عن الكذب الذي يفتح باب الفسوق والفجور. ولكي تزداد سعادة الصائم يجب ان يكف جوارحه ومنها اللسان عن اللغو وقول الزور والكذب الذي يقلب الحقائق ويجعل الناس في حيرة من أمرهم، فليس الصيام هو الامتناع عن الأكل والشرب فقط وإنما هو صيام الجوارح عن كل ما يغضب المولى عز وجل.
ولكي يصل الصائم بصومه درجة الصديقين التي اتصف بها الأنبياء كما جاء في قوله تعالى: «واذكر في الكتاب إبراهيم انه كان صديقا نبيا» (سورة مريم 41) ينبغي عليه كي يحوز هذا الشرف والتكريم أن يكون صادقا في القول، صادقا في النية والإرادة، صادقا في عزمه، صادقا في وفائه لأهله ولجيرانه وأصدقائه، صادقا في عمله، صادقا في تحقيق مقامات الدين. قال أبو بكر الوراق: احفظ الصدق فيما بينك وبين الله تعالى والرفق فيما بينك وبين الخلق. قيل لذي النون: هل للعبد إلى صلاح أموره من سبيل؟ فقال:
قد بقينا من الذنوب حيارى
نطلب الصدق ما إليه من سبيل
فدعاوى الهوى تخف علينا
وخلاف الهوى علينا ثقيل
وقال الثورى في قوله تعالى: ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة، قال: هم الذين ادعوا محبة الله تعالى، ولم يكونوا بها صادقين. وقال بشر بن الحارث: من عامل الله بالصدق استحسن من الناس.
* وفي ختام اللقاء.. دعاء ورجاء:
ـ اللهم اجعل لنا في هذا الشهر الفضيل، شهر النفحات والتجليات شهر رمضان، اجعل لنا فيه نصيبا من رحمتك الواسعة، وخذ بناصيتنا الى مرضاتك الجامعة، يا واحد يا أحد، يا فرد يا صمد، يا من يعطي من سأله تحننا منه ورحمة، ويبتدى بالنعم من لم يسأله تفضلا منه وكرما، اجعلني يا رب اليوم مفلحا ناجحا مرحوما مستجاب الدعوة وأهدني لأحسن الأعمال والأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت.
ـ اللهم قوني في هذا الشهر المبارك على صيامه وقيامه وحفظ حدوده، وأعني يارب على إقامة أمرك واحفظني بحفظك واجعلني من جملة عبادك المقربين، فقد دعوتك فاقبل دعائي وناديت يارب فاقبل ندائي، أعني يارب وبارك لي في صيامي وصلاتي