«إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين». من آثار النبوة: « إن لله خواصاً في الأزمنة والأمكنة والأشخاص» وإذا كانت الخواص في أشخاص أشاد القرآن بذكرها كالأنبياء والأخيار أو في أزمنة رفع الله من شأنها حتى أقسم بها كالفجر والضحى والليل.

فإننا ننهض في تقديس واكبار إلى الحديث عن بقعة من الأرض كرمها ربنا فيما كرم من بقاع، ويثرها بمزيد فضله، ورضوانه، وأضفى عليها من حمايته، وسلطانه، حتى كانت في عين الزمن حلية الدنيا وظلت في حساب الإنسانية متنفس الحياة. بقعة اختصها ربك فسماها المسجد الحرام وسماها البيت العتيق فأى مسجد ذاك وأي بيت هو؟ هو الكعبة التي جمع الله لها وصف المسجدية والحرمة والبيتية في قوله سبحانه: « فول وجهك شطر المسجد الحرام»، وقوله «جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس»، وفى قوله: « وليطوفوا بالبيت العتيق».

وإن في وصفه بالعتاقة لايذاناً في الشرف، وتأكيداً لأنه أول بيت وضع في الأرض للعبادة وسبق غيره من بقاع في الدنيا كرمها الله فكانت معابد أو مساجد أو معاهد. وقد تعرض العلماء لبيان أقدميته فقال قائلون منهم: إن الكعبة في مقام كانت تطوف حوله الملائكة في الأرض قبل أن يوجد فيها آدم وهو مسامت للبيت المعمور في السماء وذلك مطاف الملائكة في الملأ الأعلى. وبين المطافين مقابلة كما بينهما ارتباط روحي في عبادة الله.

وقيل إن نشأته بدأت من عهد آدم إلى زمن الطوفان ثم جرت عليه الأقدار حتى بناه إبراهيم بوحي الله. وقيل ثالثاً: إن نشأته من عهد إبراهيم عليه السلام وأول الأقوال الثلاثة أظهرها. فليس في معالم التاريخ ولا فيما أثر عن الأنبياء وما بنوه من المعابد بيت يسبق البيت العتيق ثم كان المسجد الأقصى من بعده. وبالبيت العتيق هتف القرآن غير مرة وركز في الأذهان أنه المهبط الذي تخيرته عناية الله أول ما تخيرت وربط به تاريخ البشرية في مرحلة من مراحلها الحية وجعلته أساساً للقومية الجديدة في الشرق ومنارة تشع بضوئها في جنبات الدنيا: « إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين».

وحسبنا هذه الآية وثيقة لتاريخ البيت وستضيف إليها الآيات من بعد مناقب أخرى جدت على الأيام وكأن تلك المناقب كانت آمالاً تداعب الإنسانية منذ فجرها الأول، وتنشدها منذ صبوتها الضالة، لتأنس بها في مهام دنياها، وتركن إليها كلما هبت من حولها الأعاصير في حياتها الطولى. حتى إذا ما حان لكل منقبة من مناقب البيت موعدها المقدور عند الله برزت في عالم الوجود وتم بها جانب من جلال البيت على ما شاء صاحب البيت له من جلال. إبراهيم أبو الأنبياء يؤثر لطفله إسماعيل، ولزوجه هاجر عزله عن الناس حتى يقضي الله فيها أمراً كان مفعولاً.

فما يروق له سوى المكان القفر بالمثوى القصي فيدع أمانته هذه - زوجته وولده- على جانب تلك البقعة الميمونة مطمئناً إلى صيانتها مؤمناً بحسن رعايتها وليس عليه إلا أن يدعو ربه مستعطفاً لهما قبل أن يولي وجهه عنهما «ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون». وهذه دعوات الوالد الواله يؤججها في قلب إبراهيم لذع الفراق للوالد العزيز وللزوجة الأثيرة ويلطفها على نفسه المحرورة غلبة الرجاء في رعاية الله لجيرة بيته الحرام.

ثم يأخذ سبيله، ويدع جانباً من قلبه، ويتجه إلى ما يتجه إليه من شؤون. وإذا عاد فإنما يعود لماماً وهو في حلة وترحاله يتملكه الإشفاق ويلازمه الحدب فتظل دعواته صاعدة من قلبه جارية على لسانه ولمن يا ترى دعاؤه؟ للبلد من أجل البيت ولقطان البلد من أجل إسماعيل وهاجر فتراه مسوقاً بعاطفة رحيمة وموجهاً بالهام غيبي إلى الضراعة حيناً بعد حين. فهو يجأر مرة: « رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر». ثم يعود أخرى ويجدد إلى الله دعاءه ويوثق رجاءه أن يرعى رب البيت هذا البلد، وأن يجنبه ما كان يرى - في غير مكة- من جهالة ضاربة وطغيان مستبد وأصنام جاثمة وكفر متوطن في بلاد الفرس.

يوم كان يرى ذلك من أبيه آزر وقومه فيشتد عليهم في نكيره ويقول: «ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون.. لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين». ويوم كان يقرع سمع أبيه بقوله: «إني أراك وقومك في ضلال مبين». فهو اليوم يسأل ربه في لهفة ورجاء «رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب انهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم».

أليست الدائرة التي دعا لها إبراهيم مقراً للبيت الذي أثره بتوجيه من الله مأوى لولده وزوجه، وبعد أن سبق له العلم بأنه بيت كريم على صاحبه وأنه محفوف بحراس من السماء وأن له سياجاً من رعاية الله حتى ذكره في دعائه بوصف ينم عن قداسته «عند بيتك المحرم». هنا يتجلى عطاء ربك «وما كان عطاء ربك محظوراً» ويشاء الله أن يشب إسماعيل بعد أن لقيت أمه في رعايته ما لقيت أيام الطفولة وبعد أن احتمل والده ما احتمل من صروف وبعد أن أبطأ عليه الأمل في الولد ولم تبق له إلا بقية من عمر يغلب عليه الظن أنها أيام قصار.