للحوار والنقاش والجدال آداب يجب أن يتحلى بها المؤمن وهي دلالة على سعة الأفق وطيب النفس وسلامة الصدر ورجاحة العقل وصواب الفكر، ولكن قبل الحديث عن تلك الآداب يجدر بنا أن نشير إلى أن الجدال والنقاش ينقسم إلى نوعين : مذموم وحسن محمود، أما المذموم الذي نهينا عنه فهو المتشرب بالباطل المدفوع بالهوى وهو ما قال فيه سبحانه وتعالى:(وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق) ومحاولة دحض الحق بالباطل لا تسفر إلا عن سوء العاقبة،
ومن ثم عقب المولى عز وجل على ذلك بقوله :(فأخذتهم فكيف كان عقاب)، وهذا النوع من الجدال إنما هو من وحي الشيطان (إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وان أطعتموهم أنكم لمشركون) وما أكثر من يجادلون ويناقشون دون سند قوي من دليل أو حجة أو برهان فيطعنون في كلام الآخرين بكبر وصلف وجهل وبخضوع لهوى النفس مستميتين في دفاعهم عن باطلهم وأرائهم الفاسدة، وما أشبههم في تشبثهم بتلك الآراء الفاسدة منتظرين منها النفع والفائدة الشخصية - وهيهات لهم ذلك- بدجاجة ترقد على بيض مسلوق تنتظر - بحماقة- منه الفرخ وأنى لها ذلك ؟!! فهم أصحاب أغراض وليس قصدهم الحق، وهؤلاء لا يحصدون بجدالهم الباطل الجاهل الأحمق إلا المقت والغضب والبغض من الله ومن المؤمنين مصداقا لقوله سبحانه وتعالى:(الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار).
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا النوع من الجدال أو مجادلة هؤلاء فقال فيما أخرجه أبوداود في السنن وصححه الألباني :(أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) ولاشك أن ضمان النبي بيتا في الجنة لأحد انه سيناله ويدخله وانه ساكنه بإذن الله، وليس ثمن ذلك عسيرا بل يسيرا جدا وهو حسن الخلق وترك المراء والكذب ولو في المزاج.
وهذا الجدال المحظور يسوق في اغلب الأحوال إلى الضلال وهذا ما حذر منه المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه احمد في مسنده والترمذي في سننه فقال :(ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية (ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) أما النوع الثاني من الجدال فهو الجدال المحمود وهو ما كان دعوة إلى حق أو إيضاحا وبيانا ودفاعا عن حق وهذا هو الجدال بالحسنى الذي أمرنا الله به فقال سبحانه وتعالى :(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) وهذا ما ينبغي علينا سلوكه إذ يقول عز وجل :(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم) وهذا النوع من الجدال يكون هدفه إحقاق الحق وإبطال الباطل وليس الانتصار للرأي لمجرد انك تتبناه، وهذا ما أقله وأقل أهله اليوم !!
ولاشك أن الإنسان إذا حاول إفحام الغير والانتقاص منهم والغلبة عليهم فإنه زارع بذلك في نفوس الآخرين شجرة طرحها الضغينة والكره وثمرتها المقت والغضب وما أقبحها من شجرة خبيثة حقيق بها أن تجتث وتقلع من جذورها، أما إذا حاول الإنسان إفهام الغير وان يحببهم بما لديه وان يقنعهم بالحجة والمنطق والبرهان مع التحلي بآداب الإسلام في ذلك من السرية طالما أن الأمر يخص الشخص المتحدث إليه، وان يحسن الأسلوب المناسب و ينتقي الوقت المناسب ويمتلك براعة الاستهلال ومعرفة مفاتيح الشخصيات، وان يكون كل ذلك بغية إحقاق الحق والوصول إليه ولا يهمه في ذلك إلا أن يظهر الحق سواء على يديه أم على يدي غيره وهذا هو تمام إخلاص النية في ذلك وتمام التجرد، وان يهدف إلى التغيير إلى الأحسن، ويتجرد من حوله وقوته إلى حول الله وقوته، فإذا حاول الإنسان ذلك فلاشك أنه سيشعر من يحاوره ويتحدث إليه سيصبح تواقا إلى معرفة ما لديه من الحقائق وسيلين في يديه ويعترف له بالفضل ويتخلى عن آرائه الفاسدة.