الله لطيف في ذاته، وصفاته، وأفعاله، فسبحان من لا يعلم ذاته إلا ذاته، وسبحان من لم يحط بصفاته إلا هو، ولا يعرف كنه أفعاله واسرارها أحد سواه يقول الله عز وجل: ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) أي: لا تراه الأعين المبصرة ولا البصائر النيرة، فالأبصار : جمع بصر، والبصر: حاسة الابصار، وهى نوعان: حسية ومعنوية فالحسية هي العين، والمعنوية هي القلب، فالعين لا تراه لأنه ليس كمثله شيء والقلب لا يراه لأنه فوق تصوره، ولكن يشعر بإثارة فيحكم بوجوده ويشعر بافتقاره إليه، ويشهد بجلاله وجماله وكماله بمقتضى فطرته التي فطره عليها فهو اللطيف الذي احتجب بقوة ظهوره عن جميع خلقه.
فالله لطيف بمعنى: أنه جل شأنه قد احتجب عن جميع خلقه بقوة ظهوره وبنوره الذي عم الوجود كله. (الله نور السماوات والأرض) فكل من السماوات والأرض مغمورون بنوره، فكيف يرونه بأبصارهم أو ببصائرهم في الدنيا ولكن المؤمنين منهم يرونه في الآخرة من غير آلة ولا جهة ولا بعد معين. والله وحده هو الذي يعلم كيف يرونه حين يتجلى عليهم بنوره فينسون حين يرونه نعيم الجنة، لأن نعيم الرؤية أسمى وأجل.
اللطيف: هو الذي يرى ما خفي واستتر من الأمور الظاهرة والباطنة، فكل ظاهر لدينا ندركه بعقولنا وحواسنا، فيه ـ ولا شك ـ أشياء وأشياء مغيبة عنا قد تكشف الأيام عن بعضها، ويظل بعضها الآخر مجهولاً عنا مع أننا نراه بأعيننا ونلمسه بأيدينا، فلا يقولن قائل: إن هذا الشيء ظاهر نعرف حقيقته وأبعاده ومقداره إلى آخره، فإن وراء الحقيقة الظاهرة حقائق كثيرة مستترة وراءها، لا يعلمها إلا اللطيف الخبير، فكيف بالأمور الباطنة التي لا يتصور وجودها عقل ؟
إن الإنسان محصور في حدود نفسه ودائرة أرضه لا يعلم من أمره شيئاً إلا إذا علمه الله فعلمه محدود وعلم الله بلا حدود. وهذا المعني الثاني يحمله قوله تعالى في سورة لقمان: ( يا بني إنها إن تكن مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ). فاللطيف في هذه الآية معناه: الذي يعلم ما لطف من الأمور الحسية والمعنوية أي: ما خفي واستتر ودق فهمه على الخلق جميعاً.
فهو يعلم الذرة الكامنة في الصخرة الصماء، ويحيط بحقائقها ودقائقها وأحجامها وأوزانها، وآثارها وصلتها بغيرها وتفاعلها مع ما يماثلها، ويقدر على إخراجها من بين ما لا يحصى عدده من الذرات المتجانسة وغير المتجانسة، ويقدر على الإتيان بها سواء كانت هذه الصخرة في السماوات أم في الأرض، فلا يغيب عن علمه شيء. والمعنى الثالث لهذا الاسم العظيم: هو اللطيف بعباده، فقد أسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة وأفاض عليهم من واسع رحمته ما لا يعلمونه على الوجه الذي يستطيعون شكره عليه كما ينبغى.
ومظاهر لطفه بعباده لا تنحصر وما على الإنسان إلا أن يتتبع آثار رحمته. ولو في خاصة نفسه، فإنه سيرى حتماً أنه مغمور في نعمه، وعندئذ لا يسعه إلا أن يسبح بحمده ويقدس له، ويشهد أنه أرحم بعباده من أنفسهم على أنفسهم. ثم عليه أن ينظر في المحن نظرة إيمانية، فإنه سيرى فيها شيئاً لا يستهان به من لطف الله عليه فكل محنة علمها من علمها وجهلها من جهلها.
فإذا شعر المسلم بلطف الله تعالى في جميع أموره، واستوعب الدرس استيعاباً جيداً من القرآن الكريم والسنة المطهرة - صار لطيفاً لا يغضب ولا يثور لأتفه الأسباب، ولا يجزع لما أصابه، ولا ييأس مما ينتظر وقوعه، ولا يتفوه بألفاظ تعبر عن تبرمه بما أراده الله له وقدره عليه إيماناً بقوله تعالى: ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون). وإذا شعر بلطف الله عليه ينبغي عليه أيضاً أن يكون لطيفاً بإخوانه وجيرانه ومن يسوسهم أو يتولى أمرهم: «والراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.