في زيارة للأمير شكيب أرسلان إلى فرانكفورت في ألمانيا قصد إلى بيت (غوتة) شاعر الألمان الأكبر فرأى تحفه وآثاره وصوره، وما يتعلق به، فلما هم بالخروج قدموا له الدفتر الذي تسجل فيه أسماء الزائرين، وتدوّن تعليقاتهم. قال: فكتبت الأبيات الآتية ارتجالاً، مع تضمين البيت الأخير:

مذ قيل هذا بيت (غوته) زرته

إذ كان للشعراء قبلةَ قاصد

هذا أمير الشعر عند قبيله

منه لجيد الدهر عقد فرائد

طأطأت رأس قريحتي في بابه

ولكم رأت عتباته من ساجد

إن لم يكن من أمتي وعشيرتي

فالناس في الآداب أمة واحد

(أو فاتنا نسب يؤلف بيننا

أدب أقمناه مقام الوالد)

قال وبعد أن غادرت فرانكفورت استدعت البلدية المستشرق هوروفيتس فترجم هذه الأبيات ونشرت الترجمة في جرايد ألمانية مع مقدمة جاء فيها بالإطراء الزائد والعبارة للأمير شكيب :«هذا إكرام شاعر الشرق لشاعر الغرب». والبيت الأخير من الشعر هو من شعر أبي تمام. وفي ترجمة شكيب أرسلان في أعلام الزركلي سلسلة نسب بخط يد الأمير شكيب «3 174» يصل فيها نسبه بأمير الحيرة قبل الإسلام: النعمان بن المنذر.

والأمير شكيب عالم بالأدب، والسياسة، مؤرخ، رحالة، من أكابر الكتاب، من أعضاء مجمع اللغة العربية بدمشق. واشتهر بلقب «أمير البيان» اشتغل في التعليم وفي أعمال إدارية، وكان عضواً في مجلس المبعوثان العثماني، قال الزركلي: عالج السياسة الإسلامية قبل انهيار الدولة العثمانية وكان من أشد المتحمسين من أنصارها. وقد زار بلاداً كثيرة في أوروبا وآسيا وأميركا، ووقف في الأندلس عند الآثار العربية الإسلامية، وكان مولعاً بالوقوف عندها، والكتابة عنها أو النظم فيها.

وله من مطلع قصيدة «ذكرى الأندلس»:

لك الله إن شئت الصبوح فبكرِ

بكأس دهاق من حميا التذكرِ

(الصبوح: شراب الصباح. والدهاق: الملأى، والحميا: الخمرة. وهو يريد هنا خمرة ذكريات الأمجاد العربية في الأندلس، على المجاز).

وغنّ على ذكرى الليالي التي خلت

قصائد إن تنشد على الميت ينشر!

فقد تعجب الذكرى ولو لفجيعة

ويشفي أوار الصدر فرط التحسر

والقصيدة طويلة مؤثرة، يقول في أواخرها:

ولم يبق في هذي الديار لنا سوى

ممالك فكر من حروف وأسطر

ممالك لا تقوى عليها كتائب

ولا سالب تاريخها زحف عسكر

إذا حضرت آثار قومي وإن خلوا

فإني منها في قبيل ومعشر

وأشعر أني في بلادي كأنما

تخاطبني الأرواح من كل مقبر

وتحت عنوان «زيارة قبر سيف الله ورسوله، وقائد جيوش العرب والإسلام الأكبر» قال: ولما زرت مقام سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه في مدينة حمص، وذلك منذ ثلاثين سنة وأكثر كتبت على حائط المقام هذين البيتين:

مغيبك سيف الله في غمدك الثرى

دليل بأن الله لا شك واحد

فلو أن فَذّاً خلدته فتوحه

لما كان في الأقوام إلاك خالد

(والفذ من الناس الفرد الذي لا نظير له، يقول: لو كان الفذ القائد العظيم تخلده فتوحه في الحياة لما استحق ذلك من القادة غيرك، ولعشت إلى يوم القيامة).

ومن شعره في صلاح الدين:

قد كان في رقة وفي جلد

كالسيف في ماء حده الشرر

جمرة بأس ما شابها وَهلٌ

غمرة حلم ما شابها كدر

(الوهل: الفزع).

قال: وكتبت تحت أول صورة فوتوغرافية استخرجت لي وكنت في الرابعة عشرة حين التقطت:

ونفسك فابدأ بتصويرها

بما أنت من خالد فاعل

وإلا قضى الجسم مع رسمه

ولا يخلد الزائل الزائل!

يخاطب نفسه، والسامع والقارئ أيضاً: المهم حقيقة صاحب الصورة لا شكله لأن الخلود للأفعال الجيدة (من خالد أي من عمل خالد تعمله). ولا يخفى على القارئ اعتداد الشاعر بنفسه وعلو همته بما يتناسب مع أسرته ومكانته.

بقلم : أ.د. محمد رضوان الداية