أمتاز القارئ الشيخ محمد بدر حسين بين قراء القرآن الكريم بموهبته وقوة شخصيته وحسن أدائه والتزامه وثقته بنفسه، وساعد على نجاحه سرعة وصوله إلى القلوب بمواهبه المتعددة وملكاته البارعة في بناء جسور من العلاقات مع نجوم المجتمع، وخلال رحلته القرآنية سافر إلى العديد من الدول مثل الهند والجزائر واليمن وتونس والسودان والإمارات والولايات المتحدة الأميركية، ونظراً لكثرة اسفاره اعتبر سفيراً فوق العادة وحصل على العديد من الأوسمة والنياشين.. في أسرة دينية لقب ربها بالشيخ بدر نظراً لتقواه الشديدة ودرايته الكاملة بأحكام التجويد وعلوم القرآن ..

ولد القارئ الشيخ محمد بدر حسين بمدينة السنطة بمحافظة الغربية - القريبة من القاهرة عام 1937، وكان الشيخ بدر يطلب من الله كل ليلة أن يرزقه بابن صالح ليهبه للقرآن وحفظه ولم يدر أن الله سيستجيب لدعائه ويهبه طفلاً صالحاً سيكون له شأن كبير في أنحاء الدنيا وأحد النجوم الساطعة في سماء تلاوة القرآن الكريم . تعهد الأب ابنه بالرعاية وأنشأه في رحاب القرآن وفي أجواء إيمانية فألحقه بكتاب القرية، فحفظ القرآن وبرع في تجويده وتلاوته ..

ولنبوغه وتفوقه اهتم به شيخه وتوسم فيه الخير والصلاح مما شجعه على الإقبال بشوق ولهفة على حفظ القرآن من خلال المتابعة العميقة لتوجيهات شيخه الجليل واستماعه لجهاز الراديو الذي يستقبل عبر أثيره قراءات عمالقة القرآن أمثال الشيخ مصطفى اسماعيل والشيخ أبوالعينين شعيشع والشيخ البنا والشيخ البهتيمي والشيخ عبدالباسط، ثم ألحقه والده بالأزهر الشريف ليكون قريباً من العلماء والفقهاء ورجال الدين، وهناك تلقى علوم القرآن إلى جانب العلوم الأزهرية..

ولم يكتف الشيخ محمد بدر بالتحاقه بالأزهر ولكنه عشق تلاوة القرآن فأتقن تقليد الشيخ مصطفى إسماعيل وقبل الدعوات الموجهة إليه لإحياء المآتم والمناسبات والسهرات المتواضعة وهو ما بين الثانية عشرة والخامسة عشرة.. وكان لقربه من شيوخ المعهد الديني أثره في انتشاره كقارئ صغير، حيث رشحوه لافتتاح كل احتفالاتهم الدينية بتلاوة القرآن أمام كبار الشخصيات والضيوف وعلماء الأزهر الشريف..

واستطاع الشيخ محمد بدر حسين خلال فترة وجيزه أن ينتشر عن طريق زملائه الذين حرصوا على توجيه الدعوات إليه لزيارتهم ومشاركتهم في إحياء بعض الحفلات في بلادهم. وفي عام 1959 التحق الشيخ محمد بدر حسين بكلية أصول الدين جامعة الأزهر بالقاهرة وهناك التقى بكثير من العلماء وكوكبة من القراء المشاهير الذين تجمعوا في منابر القاهرة القرآنية كالجامع الأزهر والمسجد الحسيني والمسجد الزينبي.. كما استطاع أن يصنع لنفسه اسماً وشخصية قرآنية جعلت كثيراً من المهتمين بتلاوة القرآن يشجعونه على الالتحاق بالإذاعة كقارئ بها.

كروان الإذاعة

كانت الموهبة وقوة الشخصية في الأداء والالتزام والثقة بالنفس من أهم العوامل الرئيسية التي تحكم الطريق إلى الإذاعة.. كل هذه العوامل توافرت لدى الشيخ محمد بدر حسين يضاف إليها سرعة وصوله إلى القلوب بمواهبه المتعددة وملكاته البارعة في بناء جسور من العلاقات مع نجوم المجتمع وخاصة أصحاب الكلمة المسموعة..

وبعد التحاقه بالإذاعة ذاع صيته وأصبح في مقدمة المشاهير، ومكنه ذلك من مواصلة الدراسة بجامعة الأزهر الشريف وتخرجه في كلية أصول الدين مما أتاح له الفرصة لأن ينهل من علوم القرآن ليخطو خطوات سريعة نحو الشهرة والعالمية لمكانته العلمية والثقافية مما جعل المسؤولين يوجهون إليه الدعوات لإحياء المناسبات الكبرى داخل مصر وخارجها وأطلق عليه البعض لقب كروان الإذاعة والقارئ المغرد والقارئ العالم والقيثارة.

ولم يكتف الشيخ محمد بدر حسين بحجز مكان متقدم بين مشاهير القراء بالإذاعة ولكنه التحق بالتليفزيون كقارئ للقرآن بعد بدء الإرسال التليفزيوني ليصبح من القراء القلائل الذين ظهروا على شاشة التليفزيون ليراهم الملايين وهم يتلون كتاب الله بالحفلات الرسمية والدينية. تدرج الشيخ محمد بدر حسين في المناصب التي شغلها فعمل مدرساً بالمعاهد الأزهرية ثم كأحد الموجهين العمومين بالمنطقة الأزهرية..

كما شارك في العديد من المؤتمرات الكبرى بصفته عضواً بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.. ومثل مصر في كثير من المسابقات العالمية والدولية كمحكم في كثير من دول العالم وقد ظهرت صور له كثيرة بالمحافل الدولية والعالمية بين الملوك والزعماء وكبار الشخصيات، وخلال رحلته الطويلة مع القرآن الكريم التقى الشيخ محمد بدر بالعديد من العلماء الأجلاء.. فتتلمذ على أيديهم ونهل من عطائهم فكانوا سبباً قوياً في تكوين شخصيته القرآنية وشهرته العالمية، ومنهم الشيخ عبدالفتاح القاضي كبير علماء القراءات في مصر والعالم، وكذلك الإمام الدكتور عبدالحليم محمود الذي درس على يديه في كلية أصول الدين.

السفر إلى دول العالم

بدأت رحلة الشيخ محمد بدر حسين مع القرآن خارج مصر منذ عام 1963 وكان مبعوثا إلى الهند وعمره حينذاك 26 سنة وسافر إلى الجزائر وقرأ بأشهر مساجدها، كما انتقل إلى اليمن وتونس والسودان، وفي عام 1970 اختير ليكون عضواً بلجنة التحكيم بماليزيا في المسابقة الدولية التي أقيمت هناك لاختبار الأول على العالم في حفظ القرآن وتجويده، وفي عام 1972 وجهت إليه الدعوات من الحكومة البحرينية لإحياء شهر رمضان لتعلق أهلها بحسن تلاوته.. بعدها سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية وقرأ بأكثر من عشر ولايات بدعوات وجهت إليه من الجاليات الإسلامية هناك..

ثم سافر إلى الكويت عام 1977 بدعوة من حكومتها لإحياء ليالي شهر رمضان المبارك. وفي عام 1990 سافر إلى الإمارات والبرازيل تلبية لدعوات إخوانه المسلمين هناك، وفي تونس عام 1967 قضى الشيخ بدر أمتع أيام حياته من شدة اهتمام التوانسة بالاستماع للقرآن والاحتفاء بالقارئ، وفي إحدى ليالي رمضان المبارك التي توافق ذكرى ليلة بدر أقيم في المسجد الكبير بالعاصمة احتفال رسمي كبير حضره الرئيس الراحل «الحبيب بورقيبة»

وكان الاحتفال مذاعاً عبر موجات الإذاعة وشاشات التليفزيون وطلب الحاضرون من الشيخ بدر الاستمرار في القراءة، وبذل الشيخ جهداً مضاعفاً لدرجة أنه نزف الدم من أنفه في نهاية القراءة .. وانشغل الشيخ بدر بسبب ما حدث له وقال في نفسه لابد أنه حدث شيء له صدى بمصر وطلب الاتصال بأهله، ولكنهم أخفوا عنه خبر وفاة أبيه، ولكنه شعر بداخله أن والده قد مات وعاود الاتصال فلم يخبره أحد بنبأ الوفاة إلا بعد عودته.. وأصبح احتفال الشيخ محمد بدر كل ليلة قدر من العام الذي يليه احتفالاً قرآنياً يقرأ فيه القرآن على روح والده الطاهره وعلى أرواح شهداء بدر الأبرار.

سفير فوق العادة

ونتيجة لأسفار الشيخ المتعددة ما بين قارئ ومحكم وعضو مؤتمرات في المسابقات الدولية التي تقام بين حفظه القرآن الكريم في العالم اعتبر سفيراً قرآنياً فوق العادة وحصل على تكريمات متعددة كان أقربها إلى نفسه جسور الصداقة والود التي أقيمت بينه وبين آلاف المسلمين وأعضاء الجاليات الإسلامية بالخارج، بالإضافة إلى العديد من الهدايا التذكارية التي قدمت إليه من بعض الملوك والرؤساء والمسؤولين أقربها إلى قلبه قطعة من كسوة الكعبة أهداها له الملك فهد بن عبدالعزيز ملك السعودية، كما قدم إليه ملك ماليزيا «الزي الرسمي الماليزي» تقديراً لدوره كعضو بلجنة التحكيم بالمسابقة العالمية بالإضافة لطبق من الفضة مكتوب عليه تاريخ المسابقة..

وقدم له الرئيس بورقيبة ساعة من الذهب الخالص تقديراً لجهوده في مجال خدمة القرآن وتلاوته.. وأهداه جلالة الملك حسين ملك الأردن الراحل ساعة يد قيمة جداً أثناء حضوره احتفال افتتاح مسجد الملك عبدالله .. وكانت أعظم منحة قدمت إليه عندما طلب منه المسؤولون بالمركز الإسلامي بواشنطن أن يكون شاهداً على اعتناق خمسة أشخاص الدين الإسلامي ونطقوا أمامه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

يقول الشيخ محمد بدر حسين «إن حملة القرآن وحفظته هم أهل الله وخاصته إذا عملوا بما استأمنهم عليه رب العزة يمنحهم من خيري الدنيا والآخرة» ويقول: إن الفضل لله سبحانه وتعالى ثم لوالدي ورضاؤهما علي ثم لأصحاب الفضيلة من العلماء الذين تركوا بصمات واضحة في حياتي كانت سبباً في هذا الفضل الرباني والنعمة الإلهية والخير القرآني.

القاهرة ـ خالد محمد غازي: