لم يعتد العراقيون على استقبال شهر رمضان بهذه الطريقة التي تعكس ترددهم في الاستعداد لقدومه. كانت أسواق بغداد تعج في مثل هذه الأيام بآلاف العائلات من أرجاء العراق بقصد التبضع استعداداً لرمضان الكريم، ولكن تلك الأسواق انطفأ وهجها وخف ضجيجها وهجرها روادها، الآن، بعد أن أصبحت ساحات لتفجير السيارات المفخخة والعبوات الناسفة والقتل على الهوية.

أن سوقي الشورجة والعربي وسط بغداد اللذين يعدان المركزين التجاريين في العاصمة، مثلا، أصبحت الحركة فيهما محدودة، واغلب محالهما أغلقت أبوابها خوفا من السطو والسرقة واختطاف أصحابها، وحلت بدلاً من هذه المحال التي كانت تعرض ما لذّ وطاب من مستلزمات شهر رمضان، البسطات التي تعرض بضائع هامشية وغير مقنعة ولا تلبي أو تشبع حاجة الصائمين، مما تسبب في عزوف العراقيين عن ارتياد الأسواق التجارية حفاظاً على حياتهم والبحث عن حياة هادئة لتفادي الموت أو الخطف أو التفجيرات المفاجئة.

يروي باسم عبد الحميد حمودي الأديب والتراثي: «أن بغداد في زمن قريب مضى، والى ما قبل الغزو والحصار والحروب كانت تستعد لشهر رمضان بطريقة احتفالية تتحول فيها أزقتها وأحياؤها إلى منابر للترحيب برمضان والدعوة لصيام هذا الشهر وتعرض على أرصفتها وفي محالها التجارية البضائع التي تلبي حاجات الصائمين».

ويقول: «أن الجوامع كانت تتحول هي الأخرى إلى أماكن لتوزيع المواد الغذائية على أصحاب الاحتياجات الخاصة». ويقارن حمودي أجواء رمضان الحالية بما كانت عليه سابقاً، ويقول:«لا يوجد وجه للمقارنة، فرمضان يحل علينا الآن في أجواء حزينة، والسكان مترددون في الاحتفال بقدومه والمشاركة بالاستعدادات التي كانت تسبق قدومه لأسباب أمنية واجتماعية ونفسية، فالخوف والقلق يخيمان على الحياة وهو ما جعل الاحتفال برمضان يتراجع بهذه الطريقة المؤلمة».

والغريب أن الجوامع ودور العبادة التي كانت مكاناً آمناً للمؤمنين أصبحت بفعل الأوضاع الأمنية والعنف الطائفي أماكن يستهدفها المسلحون وتحولت بيوت الله إلى ما يشبه الثكنات العسكرية بفعل الأسلاك الشائكة وقطع الاسمنت التي تحيط بها من كل جانب والمظاهر المسلحة لحراسها خوفا من هجوم انتحاري أو سيارة مفخخة.

وانسحب الهاجس الأمني على المبشرين بقدوم شهر رمضان الذين كانوا يجوبون شوارع بغداد وأزقتها في الليل يبشرون بقدوم رمضان ويدعون الناس إلى الصيام، وحتى أولئك الذين يدقون الطبول «المسحراتية» ليوقظوا الصائمين لتناول طعام السحور اختفوا أيضا، من هذه الشوارع والأزقة بسبب منع التجوال المفروض على بغداد للسبب نفسه، وكانوا سمة بارزة من سمات ليل رمضان.

سلمان عبد الكريم، كان يستعد لرمضان قبل أن يحل بين الناس ببيع أطباق البقلاوة والزلابية التي يقبل الناس على شرائها في هذا الشهر.. أغلق محله في إحدى مناطق بغداد الساخنة وجلس في بيته خوفاً من إطلاقه طائشة، وهذا انسحب على عشرات المحال التجارية التي كان لما تبيعه ارتباط بأجواء رمضان. يقول سلمان:«أن الشعوب الإسلامية كلها ترحب برمضان وتبتهج بقدومه، إلا أن الظروف القاسية التي نمر بها والهاجس الأمني الذي طبع حياتنا جعلنا نعزف عما تعودنا عليه منذ قرون طويلة من استقبال لهذا الشهر الفضيل».

ويضيف: «فقد رمضان في العراق طعمه وحلاوته وأجواءه البهيجة التي كان الناس يستمتعون بها قبل قدومه وخلاله وبعده». لكن الحاجة فاطمة علوان تعتقد أنها حلت جزءاً من المشكلة عندما أخذت تعد الحلويات الرمضانية في بيتها، وتقول: «على الرغم من أن الأطفال لا يستمتعون بالحلويات التي أعدها في البيت قدر استمتاعهم بالحلويات التي كنا نجلبها من السوق، ولكنهم يتناولونها مضطرين، فاغلب المحال التي تصنع الحلويات وتبيعها غادر أصحابها العراق إلى دول الجوار».

وتضيف: «عسى الله أن يعيد الاستقرار إلى البلاد لنستمتع ببهجة أجواء رمضان ويعرف أطفالنا مباهجه الجميلة». ولكن العراقيين الذين غادروا إلى دول الجوار وخاصة مصر والأردن وسوريا ربما يتمتعون بأجواء رمضان، إذ نقل أصحاب معامل الحلويات محالهم إلى هذه الدول، بالإضافة إلى المطاعم الشهيرة التي أغلقت أبوابها في بغداد وفتحتها في تلك الدول، هذا فضلا عن استقرار الأمن «المفقود بالعراق» في تلك الدول.

بغداد ـ «البيان»: