في إطار المحاولة التفسيرية لأبعاد أزمة علاقات الإسلام والغرب، يمكن إرجاع الأزمة في أحد أبعادها الى طبيعة النظرة التي تحكم كل طرف تجاه الآخر، وهو ما يؤدي الى التعميم وعدم الدقة لدى تناول جوانب هذه العلاقة. وما يمكن التأكيد عليه في هذا الخصوص أنه ليس هناك ما يمكن القول أنه كيان محدد يمكن اعتباره المعبر عن الإسلام، وكذلك الأمر بالنسبة للغرب، أو بمعنى آخرى ليس هناك إسلاما واحدا وليس هناك غرب واحد، وذلك رغم أن المصطلحين استخدما بشكل مجرد وشاع استخدامهما على هذا النحو مع أنهما في نهاية الأمر يفيدان معاني مختلفة تماما باختلاف الناس والزمان والملابسات، فليس هناك إسلام في ذاته يمكن تناوله باعتباره كينونة منفردة ومتماسكة ومندمجة وشاملة وأحادية التكوين،كما أن مفهوم الغرب لا يقل عن ذلك تباينا.

ما يهمنا التأكيد عليه هنا هو أن المصطلحين شديدي العمومية بمكان ويشتملان على مناطق متباينة في العالم ومن ثم على مزيج من الثقافات والإتجاهات والمدركات المتباينة بما يعني ضرورة الفرز عند الحديث عن علاقات الإسلام والغرب. وهذا هو البعد الغائب في أغلب التناولات التي تتم لمحاولة رصد أبعاد أزمة علاقات الإسلام والغرب. ينعكس هذا الفهم في التعاطي الغربي مع قضايا العالم الإسلامي وخاصة القضايا المعاصرة الأمر الذي ولد مزيدا من سوء الفهم على كافة المستويات، فهناك ميل عام لدى الغربيين لرؤية الإسلام نفسه مثلا كدين متزمت وعدم التمييز بين الصورة المشوهة للإسلام وطبيعة الإسلام الحقيقية..

اعتمادا في ذلك على الصور النمطية السلبية التي ترسبت في الذهنية الغربية نتاج الخبرة التاريخية الطويلة، وعوامل أخرى عديدة. وهنا فإنه مما ينبغي التأكيد عليه أن المسلمين، وهذا أمر طبيعي، ليسوا كتلة واحدة وإنما هناك تنوع كبير بينهم يصل الى حد الإختلاف.. ومحاولة سريعة لاستعراض القضايا التي تمثل تحديات أساسية أمام المسلمين اليوم وفرز مواقف الجماعات والتيارات والنظم الإسلامية بشأنها ستشير الى حجم التنوع الذي نقصده الى الحد الذي يصعب الاخذ برؤية محددة والقول أنها تمثل الإسلام.

وهنا تبدو مشكلة الرؤية الغربية في التعاطي مع قضايا الإسلام والمسلمين حيث لا يتم التمييز في غالب الأحوال بين أقلية راديكالية تلتزم أقصى المواقف تشددا وتيار عريض يلتزم أقصى الرؤى تسامحا ويتم تقديم الإسلام باعتباره تعبيرا عن أكثر الرؤى تشددا والتي لا تعكس سوى فئة محدودة من المنتسبين الى عالم الإسلام. واذا كان الأمر ليس مجال تفصيل فإننا نشير بغرض التوضيح الى نسبة الإرهاب الى الإسلام، وبغض النظر عن تشابكات هذا الموضوع، الأمر الذي سنتناوله بالتفصيل في مقبل الأيام إن شاء الله،

فإن التناول الدقيق غير المنحاز يكشف عن أن نسبة المسلمين الذين أرتكبوا أعمالا يتم توصيفها على أنها إرهابية، أو حتى من يؤمنون بسلوك مثل هذا الطريق، ليسوا سوى نسبة محدودة لا يمكن الإعتداد بها في ضوء الأخذ في الإعتبار أن عدد المسلمين في العالم يقدر بنحو مليار وثلاثمائة مليون مسلم. يكشف هذا الجانب عن حجم التجني الغربي في التعامل مع العالم الإسلامي، ما يتطلب ضرورة تصحيح نظرة الغرب في هذا الصدد،

وهو الأمر الذي يبدو غير متوقع في ضوء أن هذا النهج إنما يعكس مصلحة غربية لدى قطاعات مؤثرة، فضلا عن أن الجهد الإسلامي المبذول على تصحيح هذه الصورة يبدو ضعيفا سواء على مستوى الجهات المناط بها القيام بذلك أو على صعيد جدلية علاقات العالم الإسلامي والغرب، والتي تنمي من حجم التيار المتشدد الذي يتم نسبة الإسلام اليه في الغرب، وهو ما يبدو جليا مثلا في التقرير الأخير للمخابرات الأميركية الذي أشار الى أن ما بعد تطورات غزو العراق زادت من نطاق ما يتم توصيفه بالإرهاب والذي ينسب في غالب الأحوال الى من يعلنون إنطلاقهم في أعمالهم تلك من إطار إسلامي.

مصطفى عبد الرازق