أمسيتنا مع الخطباء. وقد كان أسلافنا من العرب الأوائل مثلا يحتذى في الفصاحة والبلاغة. كان منهم الخطباء المفوهون.. والشعراء المُفْلِقون.. والأدباء المُبْهِرون. وكان ذلك فيهم دليل ذكاء حاد.. وفطنة بالغة. ولكن ذلك لا يمنع من مواقف يرتج فيها على الخطيب فلا يجد قولا. ذلك لأن موقف الخطابة من أدق المواقف وأكثرها شدة.. وتزيد هذه الشدة إذا كانت الخطبة ارتجالا.. لأن مواجهة الجماهير أمر صعب. وكما تقول الحكمة (لكل جواد كَبْوَة، ولكل عالم هفوة، ولكل حسام نَبْوَة) وكان الخلفاء في صدر الأمة يُصَلُّون بالناس ويخطبون الجمعة. ولذلك روي أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أسرع الشيب إليه.. فقال له أحد أصحابه: أسرع إليك الشيب يا أمير المؤمنين.. قال: نعم.. وكيف لا يسرع الشيب إليّ وأنا أعرض فكري على الناس مرة في كل أسبوع! يقصد بعرض فكره خطبة الجمعة.
ولذلك يروى أن الحُرّ بن جابر ـ من حكماء العرب ـ نصح ولده فقال له ضمن ما قال وإياك والخُطَب.. فإنها مِشْوار.. كثير العِثَار.
ورُوي أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه صعد المنبر غداة توليه الخلافة فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وصلى وسلم على نبيه صلى الله عليه وسلم وقال: أيها المسلمون.. وذهب الكلام من ذهنه فأطرق برهة ثم قال: (أيها الناس.. إنكم إلى إمام فعّال أحوجُ منكم إلى إمام قوّال..
وسوف يأتي الكلام مدرارا فيما بعد.. فاتقوا الله وقوموا لصلاتكم يرحمكم الله!) وقال نُقّاد الأدب إن في ذلك القول الذي قاله سرعةَ بديهةٍ وقوةَ بيان.
ومعن بن زائدة
ومعن بن زائدة الشيباني وهو يمني الأصل من قبيلة شيبان وقد عاصر الدولتين الأموية والعباسية وله فيهما شأن كبير، وهو معدود من الأمراء والقادة، والأسخياء الكرماء. روي أنه صعد المنبر ليخطب الناس فحمد الله تعالى ولم يجد قولا يقوله قط.. فأخذته العصبية وضرب بيده على المنبر وقال: فتى حروبٍ والله وليس فتى منابر! ومن أفصح أجوبة من أرتج عليه خالد بن عبد الله القسري.. فقد صعد المنبر فأرتج عليه وحُصِر فلم يجد كلمة يقولها.. فأطرق ثم قال:
أيها الناس، لا يهُولنّكم ما ينتابُ الخطيبَ من حَصَر، وما يصيب اللسان من قِصَر. فإن هذا الكلام يجيء حينا، ويعزُب أحيانا، ويعِزّ مرةً ويلين زمانا، وهو يسهل عند مجيئه، ويعسُر عند عزوبه. وربما طُلب فأبَى. وكوبِر فعتا. والتأنِّي لمجيئه أيسرُ من التسرع لأُبِيِّه، وقد يختلج من الجريء جنانه. وينقطِعُ عن الفصيح لسانه. ويخونه عند القول بيانه. فلا ينبغي أن يُبْطِره القولُ إذا اتسع. ولا أن يكسِرَه النطقُ إذا امتنع، وسأعود فأقول إن شاء الله.
وشبيه بذلك أن الخليفة العباسي الأول السفاح وهو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.. عندما ولي الخلافة قام في الناس خطيبا، وبعد أن حمد الله تعالى حَصِر وأُرتج عليه.. فأطرق ثم قال أيها الناس.. إن اللسان بَضْعَةٌ من الإنسان.. يكِلّ بكلاله إذا كلّ.. ويرتجل لارتجاله إذا ارتجل.. ونحن أمراءُ البيان.. وأصحاب اللسان.. بنا تفرعت فروعه.. وتهدلت غصونه، إلا أنَّا لا نتكلم هَذَراً.. ولا نسكت حَصَراً.. بل نسكت معتبرين.. وننطق مرشدين. ثم واتته قريحته فخطب خطبته التي كان قد حصر عنها!
وإلى أمسية الغد إن شاء الله تعالى.