عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: «ألا الغضب جمرة توقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه، فمن أحس بشيء من ذلك فليلصق بالأرض» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الإمام الترمذي في صحيحه في أبواب الفتن وهو حسن، صحيح أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستفتح هذا الهدي الشريف بقوله ألا لما بعدها من شيء مهم يجب الانتباه له ثم يؤكد بعد ذلك بأن للأهمية القصوى ثم يتحدث عن الغضب والرسول قد أخبر عن الغضب بقوله: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب ،

تأمل معي بلاغيا لقد انتقلت القوة في هذا النص من طابعها الحسي الجسدي إلى طابعه الذهني النفسي إذا سلخت من المصارع القوى لتكون في الحليم وجاء هذا في صيغة تركت المجال السابق في تقديم المشابهة ثم نفيها وها هنا أكد النفي بأداة الحصر انما وفي هذا النص اسقاط دائرة الضوء على بقعة معينة من هذا المشهد وهي (ليس الشديد بالصرعة) ثم يتحول النور إلى بقعة اخرى ضيقة غير انها تتسم بالتدريج نحو الاتساع عن طريق الحافز النفسي لمجاهدة القوى الغضبية في الانسان التي تكمن في القسم الأعلى من الجسم وربما كان الحديث يقصد إلى عدم تحديد القوة النفسية غير المرئية ازاء محدودية الجسم المصارع المرئي فاحتاجت إلى هذا التأكيد البارع.

وفي هذا الهدي الشريف نرى أن النبي في قوله إلا أن الغضب جمرة: المدقق والناظر في هذا الهدي الشريف يرى أن جمرة الغضب توميء إلى حمرة النار يوم القيامة بمعنى أن النار تشير إلى غضب الرب يوم القيامة مع أن النار هناك سوداء وليست حمراء. وقد بدا الحديث بأداة الاستفتاح (ألا) استجلابا للقلوب وإيذانا بأهمية القضية وبعثا على تفهم عناصر التصوير، ثم أكد الكلام بأن ثم اخبر عن الغضب مباشرة بأنه جمرة: واشبع التعبير بكلمة «توقد» إشعارا باستمرار حمرتها وقوة حرارتها حتى حذف التاء من هذا الفعل اذ أصل اللفظ «تتوقد» يدل على سرعة الفعل أي نستلهم سرعة التوقد من حذف التاء والغضب على أية حال مرتبط بالسرعة والانفعال والعنف واللون الأحمر واستمرار المضارعة يستبعد احتمال خفوتها وبرودتها.

وإذا اخبر ان هذه الحرارة الحمراء الهائلة في قلب ابن آدم تصورنا توهجا وبقعة حمراء تتوسع وتشع وهذا التوسع يتجلى في العين فهي صورة متحولة في حركة ذهنية باطنية وكأن الجمرة تسري في خلايا الجسد فتجعله احمر اللون وتنفخ عروق العنق ولذلك يحسن التخلص من الغضب بالوضوء لما نعرفه في الحقيقة من حرارة حقيقية تتزامن مع ارتفاع ضغط الدم وصعوده إلى الرأس. ويقول الشريف الرضى: وهذه استعارة كأنه عليه الصلاة والسلام جعل اهتياج الطبع واحترام الغيظ بمنزلة الجمرة التي تتوقد في جوف الإنسان فيظهر اثر اتقادها في احمرار عينيه، واختناق وريديه فلا تزال كذلك حتى يطفيها برد الرضا أو عواطف الحلم.

وفي التفصيل ما بين قيمة الجمال في قوله «في قلب ابن آدم» ايلاء الظرف للجمرة المشبه بها دون الغضب وكان من الممكن أن يقال: ان الغضب في قلب ابن آدم كالجمرة ولكنه لو قيل هذا لطمست القيمة الفنية للتعبير إذ ان ذلك القيد الواصف للغضب يكون في حكم التطويل أولاً وخلو مكانه في الحديث يفقد الجمرة موضعها الصريح في مقام يقتضي النص عليه تخويفا وتحذيراً.

فاتخذ الصادق المصدوق من المظاهر البيولوجية الناشئة عن الغضب ذلك الدليل على حكمة فالجمرة نار، والقلب وعاء الدم، يصل بدورته إلى كل عضو في الجسم حتى الشعر فإذا علا الدم على نار الغضب فار في العروق وظهر في الأعضاء حتى تنتفخ الأوداج وتظهر في العين جمرته وتشبيه الغضب بالجمرة تشبيه واقع من جهات فحرارة الجسم ترتفع عند الغضب نتيجة لتزاحم الانفعال النفسي وتلاحق النبضات حتى يهم الدم كله أن يجتمع في مراكز الغضب كالجيش الحاشد والنار تحدث التورم في الجسم والجمرة في مكان المس من الجلد والغضب تنتفخ به العروق وتحمر معه العين حتى جعل احمرار العين كناية عنه فيقال ارآه العين الحمراء.

والأحمر لافت للنظر يتقدم إليه بسرعة واللون الأحمر يبدو أنه يتقدم تجاه العين ويمتد خارج الحدود وإذا انفرد باللوحة امتلك ناحية المشاعر وهب إلى البصر وحده خصوصا إذا دل التعبير على انه يخرج عن حدوده فضلا عن كونه خارجاً عنها في الأصل. فصلى الله على البليغ محمد عليه وعلى آل بيته الأطهار

بقلم :د. عثمان الغزالي