هذه الصحابية الجليلة كانت ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم وكانت امرأة جميلة ولقد هاجرت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فخطبها النبي صلى الله عليه وسلم لمولاه زيد بن حارثة فقالت يا رسول الله لا أرضاه لنفسي قال فإني قد رضيته لك فتزوجها زيد صلى الله عليه وسلم . وفي سنة أربع للهجرة لم يكن هناك وفاق بين الزوجين فطلقت من زيد وكان يدعى زيد بن محمد لأن النبي صلى الله عليه وسلم تبناه قبل بعثته فلما نزل قوله تعالى : (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ) وقوله تعالى : (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)

ومن ثم تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بأمر من الله تعالى وليس كما يقول المستشرقون والمغرضون فقد قال تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا) وبهذا الزواج ينتفي ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من أن الذي يتبنى غيره يصير ابناً له. فكان زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش فيه مصلحة كبرى حيث لا يقوم بأمر عظيم إلا من كان عظيماً فانتفى بذلك ما كان متوارثاً من التبني وحرمة أزواج المُتبنين على من تبنوه إذا طلَّقوا نساءهم. ولذلك يقول الله تعالى في العلة التي من أجلها طلّقت زينب من زيد (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً)

ولما أُخبرت بأنها ستتزوج النبي صلى الله عليه وسلم سجدت لله شكراً وكانت تقول وتفتخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم بأنها بنت عمته وبأن الله زوجها له وهن زوجهن آباؤهن وأولياؤهن. وكانت ديِّنة ورعة كثيرة الصدقة وكانت أول نسائه صلى الله عليه وسلم لحوقاً به فقد أخرج مسلم عن عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً) قالت : فكن يتطولن أيتهن أطول يداً فكانت زينب أطولنا يداً لأنها كانت تعمل وتتصدق.

وكانت عائشة تقول (فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم نمد أيدينا في الجدار نتطاول حرصاً على اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب وكانت امرأة قصيرة ولم تكن بأطولنا فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد طول اليد بالصدقة وكانت زينب امرأة صناع اليدين فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل الله)

وقال ابن عبد البر (لقد روينا من وجوه عن عائشة قالت : كانت زينب تساميني في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وما رأيت امرأة قط خيراً في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثاً وأوصل للرحم وأعظم صدقة رضي الله عنها) وقالت أم سلمة: وقد ذكرت عندها زينب فترحمت عليها وقالت : كانت لرسول الله معجبة وكان يستكثر منها وكانت صالحة صوَّامة قوَّامة صناعا تتصدق بذلك على كل المساكين.

وفي سنة عشرين لحقت بالرفيق الأعلى وبرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد تزوجها وهي ابنة خمس وثلاثين سنة وماتت وهي ابنة ثلاث وخمسين سنة. ولقد صلى عليها عمر بن الخطاب وأراد أن يدخل قبرها لينزلها فقلن انه لا يحل لك أن تدخل القبر وإنما يدخل القبر من كان يحل له أن ينظر إليها وهي حية.

محمد نور العلي